skip to content

المدونات العربية حرية التعبير مجسدة

ضمن ما يزيد عن 37 مليون مدونة تضمها شبكة الانترنت (1) ، لا يكاد نصيب المدونات العربية يزيد في أفضل تقدير عن 40 ألف مدونة (2) ، أنشئ اغلبها في عام 2006م ،إلا أن تأثير وشهرة هذه المدونات قد فاقت التوقعات وباتت تمثل صداعا في راس العديد من الحكومات العربية التي تخشى بشدة أن يتملك المواطنين وسائل تتيح لهم فضح الممارسات الغير قانونية واللاديمقراطية التي تسم نهج هذه الحكومات ، لاسيما بعد النشاط البارز للمدونين المصريين ، الذين كانوا كمن أشار لطريق جديد يمكن أن يسلكه المدونين العرب، حتى ولو دفع هؤلاء المدونين المصريين ثمنا لنشاطهم و كشفهم هذا ثمنا غاليا ، تمثل في سجن العديد منهم لشهور عديدة ، عقب اتهامات جائرة وتحقيقات غير محايدة.

فعلى الرغم من حداثة ظهور المدونات العربية بشكل عام ، إلا أنها قد أصبحت أداة فعالة أجاد المدونون العرب استخدامها ، سواء في التعبير عن همومهم وهموم مجتمعاتهم بما فيها همومهم الشخصية أو العامة .

فقد برزت مجموعات عديدة استخدمت هذه الوسيلة في الكشف عن المسكوت عنه بالعالم العربي مثل تناولهم لتفاصيل غير معلنه عن طبيعة الحياة بمجتمعاتهم مثل مدونة " ابن كريشان http://benkerishan.blogspot.com / من الإمارات " أو http://bahai-egypt.blogspot.com / التي تناولت هموم البهائيين في مصر ، أو الشئون الماركسية والنقابية مثل مدونة محمد الحنفي بالمغرب ، أو تقديم التحليلات والأخبار السياسية مثل مدونة بهية http://baheyya.blogspot.com / أو الوعي المصري http://misrdigital.blogspirit.com / في مصر أو مدونة محمود اليوسف http://mahmood.tv / من البحرين وغيرها .

وهو الأمر الذي لم تحتمله الحكومات العربية أو حتى بعض الشركات العاملة بالمعلوماتية التي انتبهت لهذه الأداة الهامة فبدأت في حجب البعض منها مثل مدونة ابن كريشان الإماراتي ومنع نشر بعض التدوينات مثل رباح القويعي الذي حذفت بعض كتاباته من مجمع مدونات شركة مكتوب الأردنية ، أو هيمنة على مجمع للمدونات في السعودية مثل مدونات اوكساب http://www.ocsab.com / وصولا إلى سجن بعض المدونين عقابا على كتاباتهم مثل كريم عامر من مصر وكذلك تهديد بعضهم ومنعهم من السفر مثل هالة المصري من مصر أيضا .

بروز المدونات العربية عبر محطات هامة

بدأت المدونات العربية في الظهور منذ نحو ثلاثة أعوام عبر بروز بعض المدونات التي تعتبر قديمة نسبيا مثل " حوليات صاحب الأشجار http://gharbeia.net / ، سردال http://www.serdal.com / ، طي المتصل http://zamakan.gharbeia.org / ، طق حنك http://digressing.blogspot.com / ، لنتعدى الطبيعي http://beyondnormal.blogspot.com / ... " إلا أن بعض الأحداث التي دارت حول أو عبر المدونين العرب ، قد ساهمت بشكل كبير في طرح الأسئلة عن هذه الأداة الجديدة أو المدونات ، والتي تعد محطات هامة ونقطة انطلاق جعلت نشاط المدونين وكتاباتهم تحت الضوء مما حدا بالكثير من الجمهور العربي ولاسيما الشباب منهم لآن ينشئوا مدوناتهم الخاصة .

ومن أهم هذه الأحداث او المحطات الهامة التي ساهمت في شهرة وتوسيع رقعة المدونين : - سلسلة من المقالات للصحفي المخضرم جهاد الخازن في جريدة الحياة اللندنية واسعة الانتشار عن التدوين والانترنت في العالم عموما مع التركيز على العالم العربي في بداية عام 2006 .

- إشارة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل خلال لقائه بقناة الجزيرة إلى متابعته واهتمامه بمدونة "بهية " من مصر .

- القبض على المدون المصري كريم عامر واعتقاله بشكل غير قانوني لمدة 12 يوم من قبل الامن المصري والحملة التي صاحبت القبض غير القانوني عليه في نهاية أكتوبر 2005.

- حصول مدونة علاء ومنال على جائزة أفضل مدونة من منظمة مراسلون بلا حدود وقيام قناة الجزيرة بتقديم برنامج عن المدونات ونشرها لخبر فوز علاء ومنال بالجائزة .

- مساهمة العديد من المدونين المصريين في حركة المطالبة بالإصلاح في مصر سواء عبر نشاطهم الميداني مثل اعتصامهم بميدان التحرير بالقاهرة لمناصرة القضاة المصريين ضد هيمنة الدولة أو عبر ترويجهم لفعاليات وتنظيمهم لها مثل ما سمي بمظاهرة "كنس السيدة زينب ضد وزارة الداخلية في مصر" .

- القبض على عدد من المدونين المصريين أثناء حركة التضامن مع القضاة المصريين ، وتعذيب أحدهم بشكل وحشي وهو المدون محمد الشرقاوي خلال شهر مايو 2006.

وتمثل تلك الأحداث محطات هامة ساهمت في زيادة التعريف بالمدونات والمدونين العرب ، جعلت الإقبال على إنشاء المدونات ينحو منحى تصاعدي واسع ، نظرا لما لمسه جمهور مستخدمي الانترنت عموما والشباب بوجه خاص من هذه الأداة التي تتيح لهم صنع الأخبار وتداولها وتجسيدا لحقهم في التعبير عن أرائهم وأفكارهم .

المدونات : حرية التعبير دون كلمة "لكن " .

اعتادت الحكومات العربية وبعض الجماعات الغير رسمية أن تعلن دائما دعمها لحرية الرأي والتعبير .. ثم تقرن هذا الدعم بكلمة "لكن" ثم تضيف : مع مراعاة التقاليد أو الآداب العامة أو امن الدولة او القيم الدينية وغيرها من المحاذير التي تفرغ هذه القيمة الهامة من مضمونها ، لتصبح كلمة "لكن" ثغرة هائلة ينفذ منها رجال الدين ورجال الشرطة ومصادرة الصحف وحجب المواقع وكافة القيود التي تجعل حرية التعبير في العالم العربي مجرد تعبير أجوف لا يغير من الأمر شيء.

لذلك كان رد فعل الكثير من المدونون تجاه هذا التضييق المتواصل هو تجاوز كلمة "لكن" ، والإمعان في ممارسة حقهم وحريتهم في التعبير عن أرائهم دون محاذير أو قيود ، لدرجة استخدام بعضهم لتعبيرات هي أقرب للسباب والتجريح ضد بعضهم البعض أو ضد بعض المسئولين في هذه الحكومة أو تلك ، إلا أن المحصلة النهائية تعني قيامهم بتجسيد حرية الرأي والتعبير بشكل يجعل كلماتهم أقرب للجمهور والأخبار والأفكار التي ينشرونها أدق واصدق في الكثير من الأحيان عن الوكالات الإخبارية والجرائد الأشهر (3) .

ولعل من أسباب اتساع رقعة المدونين العرب انتشار اللغة العامية العربية واستخدام تعبيرات غير معتادة بين الكتاب والصحفيين ولكنها منتشرة بين الشباب في حواراتهم الخاصة وعلى المقاهي ، مما شجع الكثير من الشباب على إنشاء مدوناتهم نتيجة لشعورهم أن المدونات ليست أكثر من تعبيرهم عن أنفسهم وأفكارهم بلغتهم الخاصة المعتادة بعيدا عن "آداب الكتابة" التي ترسخت في الواقع عرفيا ، دون أن يوضح أحدهم من جعل استخدام العامية والتعبيرات الشائعة في الشارع ضد هذه " الآداب " .

وقد تكون تدوينة " سرتن سرتن في أي مكان..صحرا ان كان أو بستان" التي كتبتها منال (4)عن تجربتها مع راكب قام بالاستمناء على نفسه في الطائرة في الكرسي المجاور لها أثناء رحلة لها إلى مدينة ميلان الايطالية ، هي أصدق تعبير عن استخدام تعبيرات صريحة وحادة ليس فقط في متن التدوينة ، ولكن كعنوان لها ، مما اثأر نقاشا بين جمهور واسع من قراء مدونة علاء ومنال حول استخدام تعبيرات كهذه ما بين معترض بسبب الخروج عن "آداب الكتابة" ومؤيد لها ، باعتبار أن وصف الواقعة بمسمياتها هو الذي يعطيها درجة الصدق ، وقد بلغ قراء هذه التدوينة ما يزيد عن 40 ألف قارئ ، إلا أننا نرى أن الفوز كان من نصيب الاتجاه الأخير ، حيث شجع الكثيرين ليس فقط على استخدام تعبيرات صريحة أو غير معتادة ضمن تدويناتهم سواء في المتن أو كعناوين لها ، بل أن يطلق البعض تعبيرات كهذه كأسماء لمدوناتهم مثل " طفاية سجاير http://tafaya.blogspot.com / ، ولا واحد افتراضي ولا واحد طيزي http://lawahadiftiraadiwala6eezi.blogspot.com / ، يا أخي أحا http://yakhya7a.blogspot.com / ، حارة ابيح افندي النص http://abei7afandy.blogspot.com / ، حتى أن شبكة الإذاعة البريطانية قد اختارت اسما لقسم المدونات العربي بها يحمل اسم ملح وفلفل http://www.bbc.co.uk/blogs/arabic / الذي وإن كان أكثر تهذيبا في نظر البعض ، لكنه يسير في نفس الاتجاه فعليا .

المدونات العربية ، سياسيا : تؤرق المستبد

حينما نتصفح المدونات العربية التي نستطيع الوصول إليها ، سوف نلحظ أن الكثير والكثير منها يعني بالكتابات الأدبية أو الهموم الخاصة أو النصائح التقنية ، ولكننا أيضا سوف نلحظ كم كبير يحمل الطابع السياسي أو يتضمن في جزء منها جانبا سياسيا ، قد لا يكون هذا الجانب هو الغالب عليها ، ولكننا لا نكون متجاوزين الصواب لو قلنا أن أحد أسباب بروزها على السطح وأحد أسباب شهرتها هو ارتباطها بالحركات السياسية الداعمة للديمقراطية في العالم العربي .

وكما أسلفنا القول أن نشاط المدونين العرب في المجال السياسي قد نتج عنه حبس الكثيرين منهم واعتقالهم ، فإننا نرى أن هذا القمع الذي مارسته السلطات الحكومية في الكثير من الدول العربية سواء عبر سجن المدونين في دول مثل مصر أو حجب المدونات في دول مثل السعودية أو الإمارات أو تونس ، لم يوقف المدونين عن نضالهم في سبيل انتزاع حقهم في الديمقراطية وفي القلب منها حريتهم في التعبير أرائهم أو فضح انتهاكات تعج بها بلدانهم .

فعل سبيل المثال ، نجد أن أول من جرؤ على نشر صورة أحد جلادين التعذيب في مصر كان هو المدون المصري الشهير علاء عبدالفتاح ، حينما قام بنشر صورة الضابط وليد الدسوقي ضمن تدوينه حملت عنوان " كبير سفاحي أمن الدولة وليد الدسوقي " ثم حملت التدوينة أخبارا عن جبروت هذا الضابط الذي وقف ضمن المتظاهرين في إحدى ضواحي القاهرة الكبرى وهو يقوم بتصوير المتظاهرين عبر هاتفه الجوال !

وعلى الرغم أن العديد من المنظمات الحقوقية قد نشرت من قبل اسم هذا الضابط كمسئول عن انتهاكات وخروقات حقوقية كبيرة مثل التعذيب ، إلا ان نشر صورته لأول مرة كان عبر مدونة علاء ومنال (5) .

أيضا وضمن ثمانية عشر موقعها رصدنا حجبها في مملكة البحرين ، سوف نجد أن أحدها كانت المدونة الأقدم والأشهر في البحرين وضمن الأشهر عربيا وهي مدونة "محمود اليوسف http://mahmood.tv / " وهو مدون بحريني يقود حملة من أجل مواطنة لا تستند للدين تحت عنوان "لا سني ولا شيعي ، فقط بحريني " و تتسم تدوينتة بالوقار الشديد والاستخدام الجيد لحرية الرأي والتعبير كان لتناوله لمجريات الأحداث في البحرين بشكل صريح وصادق نتيجته في حجب موقعه بعد قرار من وزير الإعلام البحريني وهو القرار الذي علق عليه محمود قائلا " ولم أتعرض لأي أحد بالتجريح أو بالتشهير، وإن حدث ذلك فأنا مستعد لأي مقاضاة من أي شخص " (6) .

كذلك كانت تدوينات الطالب المصري المفصول من جامعة الأزهر عبد الكريم نبيل سليمان السبب المباشر في اختطافه واعتقاله على يد أجهزة الأمن لمدة 12 يوم في نهاية أكتوبر 2005 ، ثم حبسه مرة أخرى بقرار من النيابة العامة في مصر بعد بلاغ من جامعة الأزهر واتهامه بازدراء الأديان و إهانة رئيس الجمهورية ضمن اتهامات أخرى ، وتتعلق الاتهامات بشكل مباشر بكتاباته التي نشرها على مدونته الخاصة (7) والتي يتعلق بعضها بإعلانه عن علمانيته وانتقاده للدور المحافظ لجامعة الأزهر وأثره على الطلاب ، كذلك كتابته لتدوينه بعنوان "لا إله إلا الإنسان " مما اعتبرته النيابة العامة والأزهر تطاول على الأديان ! .

التدوين العربي وافاق المستقبل

شد وجذب ، حجب والتفاف حول الحجب .. هذا هو الحال بين المدونين العرب والحكومات العربية ، رغم العمر القصير للأولى كما أسلفنا ، ومع اتساع عدد المدونين والمدونات العربية ، وفي ظل القمع الحكومي العربي لحرية التعبير عموما في المنطقة العربية ، فكما يرى كيرت هُبكينس مدير لجنة حماية المدونين أن " آليات القمع موجودة في بلدان الشرق الأوسط. إلا أننا سنشهد في المستقبل القريب استخداما لهذه الآليات القمعية لمعاقبة المدونين" (8) .

إلا أن الحملات التي تنشئها المنظمات دولية المعنية بحقوق الإنسان مثل مراسلون بلاحدود أو منظمة العفو الدولية ، فضلا عن التطوير التقني الذي يستفيد منه مستخدمي الانترنت عموما والمدونين بشكل خاص والذي سوف يسهل من إخفاء هوية المدون ، فضلا عن عدم قابلية شبكة الانترنت نفسها للتطويع والسيطرة ، قد لايمنع القمع ، لكن من المؤكد أن سوف يوضح بجلاء عن الصورة الحقيقة التي تسم هذه الحكومات بحيث سوف تفشل بدرجات في تقييده ، وسوف ينجح الانترنت والمدونون في فضحها .

-----------------------------
1-وسائل الاتصال الجماهيرية الفردية الجديدة جريدة لوموند ديبلوماتيك أغسطس 2006، مقال للبروفيسور :مانويل كاستلز ص7 "طبعة الأخبار المصرية".
2-لقاء مع مالك مصطفى وعمرو غربية ، القاهرة في أكتوبر 2006م.
3-إنظر تغطيتهم لواقعة التحرش الجنسي الجماعي ضد النساء في شوارع القاهرة ونفي الجرائد الحكومية وشبه الحكومية لها.
4-مدونة علاء ومنال في 5 أكتوبر 2005 http://www.manalaa.net/a7a_department/airplane_wanker زيارة 12سبتمبر 2006م.
5-تدوينة "كبير سفاحي أمن الدولة وليد الدسوقي في 30 ابريل 2006 http://www.manalaa.net/master_torturer_walid_el_desoky زيارة 14 يوليو 2006م.

6-مدونة محمود اليوسف في 30 أكتوبر 2006، http://mahmood.tv/?page_id=2867 زيارة 11نوفمبر 2006م.
7-مدونة كريم عامر http://karam903.blogspot.com / .
8-نمو تجمّع المدونين المصريين يوسع حدود المعارضة مقال منشور في عدد كريستيان ساينس مونيتور ترجمة سامي بن غربية ومنشور على مدونة كتاب http://www.kitab.nl/2006/01/08/modawwana-misriyya / زيارة 22سبتمبر 2006.