skip to content

الإعلام التقليدي والرقمي‏..‏ بين وهم النداهة وخطورتها‏!‏

كنت استطيع أن أميز علامات الرضا علي أوجه الحضور في مؤتمر القيادات الإعلامية بقارة إفريقيا الذي عقد في العاصمة الغانية أكرا أخيرا‏,‏ بالمشاركة بين مركز كونراد أيدناور الألماني وجامعة رودس بجنوب إفريقيا‏,‏ وذلك أثناء استعراضي في مقدمة الكلمة التي ألقيتها بالإنابة عن الوفد المصري ـ الذي تصادف أن أعضاءه الأربعة ينتمون لمؤسسة الأهرام العريقة ـ الانجاز الذي حققته مصر علي صعيد البنية الأساسية الرقمية‏.‏ ولعل السر من وراء علامات الرضا علي وجوه الحضور الستين الذين مثلوا وسائل الإعلام في أكثر من‏25‏ دولة إفريقية‏,‏ بخلاف الحضور من الجهتين المنظمتين‏,

‏ كان توافق هذا الانجاز المصري مع القضية محل بحث المؤتمر‏,‏ وهي التعلم من المستقبل‏:‏ خارطة إفريقيا الإعلامية في عام‏2029.‏ ولا شك في أن الانجاز الذي أحرزته مصر علي هذا الصعيد هو انجاز مقدر ومن عينته‏:‏ إن عدد مستخدمي الإنترنت في الربع الأول من العام الحالي بلغ‏13‏ مليون مستخدم بمعدل نمو عن نفس الفترة من العام الماضي وصلت‏19.5%,‏ في حين بلغ عدد مشتركي خدمة التليفون المحمول‏44‏ مليون مشترك‏,‏ ناهيك عن أكثر من‏700‏ ألف مستخدم لخدمة الفيس بوك‏,‏ واستضافة مصر‏170‏ ألف مدونة علي الإنترنت‏,‏ إلا أن أهم ما لفت انتباه الحضور كان توزيع النسب العمرية لمستخدمي الإنترنت الذي يوضح أن‏45%‏ منهم يقعون في الشريحة العمرية من‏10‏ ـ‏20‏ عاما‏,‏ في حين يقع‏25%‏ منهم في الشريحة من‏20‏ ـ‏30,‏ أي أن‏70%‏ من مستخدمي الإنترنت‏,‏ في مصر يقعون فيما اصطلح علي تسميته بـالجيل الرقمي الذي شب علي وجود الحاسبات الآلية والإنترنت‏,‏ وهو الجيل الذي انصب اهتمام المؤتمر عليه‏.‏

وقد بلغ الانطباع الايجابي للحضور مداه عندما تعرض الوفد المصري في ورقته إلي أن أكثر من‏60%‏ من مستخدمي الإنترنت في الفئة العمرية من‏10‏ ـ‏30‏ يستهلكون المنتج الإعلامي الذي يقدم من خلال وسيط الإنترنت في حين أن‏14%‏ منهم يشاركون في إنتاج هذا المنتج الإعلامي ويرجع السبب في هذا الانطباع الايجابي إلي تلاقي الانجاز المصري الرقمي مع مقاصد الرحلة التي قصد المؤتمر أن يقوم بها لمستقبل القارة الإعلامي حتي عام‏2029‏ التي أجمع خلالها غالبية المؤتمرين علي أن مستقبل

وسائل الإعلام التقليدية باتت تحوطه الشكوك لحساب الوسائل الرقمية‏.‏ وبالرغم من اتفاقنا مع العديد من الأفكار التي تضمنتها جلسات المؤتمر‏,‏ والتي جاء بعضها شديد الأهمية‏,‏ خاصة علي صعيد سبل مضاعفة تأثير وسائل الإعلام الرقمية المبثوثة علي الإنترنت علي الرأي العام‏,‏ فإن المشكلة تمثلت في أن المشاركين في المؤتمر تركز جل اهتمامهم علي المنصات التي سيتم من خلالها إطلاق المنتج الإعلامي‏,‏ من دون التركيز علي محتوي هذا المنتج‏!‏ وقد كانت هذه القضية محل نقاشات جانبية بين الوفد المصري وبين بقية الوفود المشاركة‏,‏ حيث اتفق العديد من المشاركين ـ خاصة من جنوب إفريقيا ـ علي أن اقتصاديات الإعلام تشهد تحولا جذريا مما يسمي بالاقتصاد الصناعي الذي يعتمد علي المحتوي والسعي إلي امتلاك وسائل الإعلام‏,‏ إلي اقتصاديات تعلي من شأن جذب اهتمام الجمهور من خلال الشكل في المقام الأول‏,‏ بالإضافة إلي السعي للتأثير علي كل وسائل الإعلام وليس ملكيتها‏.‏

في الوقت نفسه‏,‏ فإنه طبقا لاقتصاديات الإعلام الرقمي‏,‏ فإن المحتوي لم يعد هو المصدر المباشر للدخل‏,‏ حيث يقدم المنتج مجانا‏,‏ وذلك في مقابل السعي للاستحواذ علي الاهتمام‏,‏ وهو الذي يتم ترجمته إلي مقابل مادي‏.‏

وحيث إن الورقة التي طرحتها تناولت مصر كحالة دراسة فيما يتعلق بمستقبل الإعلام الرقمي في مقابل الإعلام التقليدي‏,‏ فإنني وبعد المقدمة التي تعرضت فيها للبنية الأساسية الرقمية الممتازة التي تم إرساؤها في مصر‏,‏ تعرضت للخصوصية التي تميز مصر وأوضاعها في تلك المنطقة شديدة الاضطراب في شمال القارة‏,‏ وهو الأمر الذي يمكن أن يسفر عن أعراض جانبية خطيرة في حال إطلاق الإعلام الرقمي‏,‏ وتكبيل ما سمي بالإعلام التقليدي‏.‏ فمصر لم ترث فقط بعضا من أمراض القارة الإفريقية‏,‏ وإنما ورثت أيضا أمراض عالمين إسلامي وعربي تحمل هويتهما جنبا إلي جنب مع هويتها الإفريقية‏.‏ ومن بين المشكلات المزمنة التي ورثتها مصر عن عالمها العربي الصراع ـ الإسرائيلي العربي وهو الصراع الذي تجاهد مصر الدولة أن تضع نهاية له‏,‏ لكي تفاجأ بأن الغالبية العظمي من المنافذ الإعلامية الرقمية تقدم منتجا مؤدلجا سياسيا تارة‏,‏ ودينيا تارة أخري‏,‏ والاثنان معارضان للسلام من حيث المبدأ مع إسرائيل‏,‏ وهو ما يعرقل في كثير من الأحيان الجهود المصرية الرامية للحل‏.‏

في الوقت نفسه‏,‏ فإن هذه المنافذ الإعلامية نفسها تتبني رؤية تصادمية للعلاقات بين الغرب من ناحية‏,‏ والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخري‏,‏ وهي الرؤية السلبية التي يمكن أن تقود إلي منعطف في منتهي الخطورة‏.‏

ولعل هذه الأوضاع شديدة الخصوصية والخطورة هي التي تدفعنا إلي التحفظ جزئيا علي التوجه المطلق الذي تبناه المؤتمر من حيث تجاهل المحتوي لحساب الشكل‏,‏ وإعلاء قيمة جذب انتباه الرأي العام والاستحواذ عليه بتقديم ما يرغب فيه في المقام الأول‏,‏ وليس ما يحتاجه‏.‏

وعلي الجانب الآخر‏,‏ فإننا نجد أقلية من المنافذ الإعلامية الرقمية غير مؤدلجة سياسيا ولا دينيا‏,‏ ولكنها تقدم منتجا شاحبا غير جذاب‏,‏ وهو ما يدفعنا للاستمرار في التمسك بوسائل الإعلام التقليدية‏,‏ ولكن مع تحسين المنتج الذي تقدمه سواء بزيادة المستوي المهني لاحتراف الصحفيين‏,‏ أو باستعارة بعض من أدوات التجميل التي ابتكرتها وسائل الإعلام الرقمية‏.‏ في الوقت نفسه فإنه من الأهمية بمكان أن تتبني وسائل الإعلام التقليدية إطلاق منافذ إعلام رقمية تقدم مضمونا هادفا‏,‏ ولكن بشكل جذاب‏.‏

الشاهد‏,‏ أنه من المهم في هذا المقام الإجابة عن أسئلة من عينة‏:‏

كيف يمكن ايجاد صيغة تقف بين وسائل إعلام رقمية هجومية بالمعني السلبي للكلمة‏,‏ وبين وسائل إعلام تقليدية بات معظمها خاملا بسبب الترهل المهني؟ وكيف يمكن تجاهل هذه المشكلات الخطيرة التي تعاني منها القارة السمراء من تراجع في التنمية والصراعات العرقية في سبيل تقديم مضمون يلبي رغبات الرأي العام فقط من دون حاجياته؟ وكيف يمكن استيعاب عولمة وسائل الإعلام عابرة الحدود مع الاحتفاظ بهامش ـ مجرد هامش ـ من الخصوصية القطرية التي تعين علي التغلب علي مشكلات لا توجد بالضرورة خارج حدود القطر أو الإقليم أو القارة؟ وأخيرا‏,‏ كيف يمكن أن نحمي الإعلام التقليدي من أن يتحول إلي وهم النداهة ـ تلك المخلوقة الاسطورية التي توجد في كل ثقافات العالم ـ بنفس القدر الذي نمنع فيه الإعلام الرقمي من أن يتحول إلي نداهة حقيقية تغوي البشر إلي حتفهم؟ نعتقد مخلصين أن الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها‏,‏ تمثل مفصلا ليس فقط في مستقبل الصحافة‏,‏ ولكن في حياتنا‏.
المصــــــــــــدر:
موقع جريدة الاهرام
‏http://www.ahram.org.eg
التاريـــــــــــخ:4\11\2009
تاريخ زيارة الموقع4\11\2009
ويمكنك تصفحه من خلال:
‏http://www.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=opin6.htm&DID=10121