skip to content

مقدمة

مقدمة
تحركت كرة الثلج ، ولم يعد بالإمكان وقفها ، وفي تحركها لن تظل على حالها أو حجمها بل سوف تتضخم وتطيح في طريقها ما كان يمثل عقبة كبيرة في السابق، هذا هو التوصيف الأفضل للدور الذي يلعبه الإنترنت في العالم العربي الآن.
فلم تكد الحكومات العربية تفيق وتلتقط أنفاسها مما سببه لها المدونين من صداع مزمن ، حولهم لشوكة في حلقها ، حتى فوجئت بوسيلة أخرى أتاحتها لهم شبكة الإنترنت ، وهي الفيس بوك. هذا الموقع الذي لم يدر بخلد مبتكريه أنه سوف يتحول لأداة هائلة وطيعة بيد نشطاء الانترنت العرب يسخرونه لدعم حقهم في مجتمعات ديمقراطية ، في منطقة هي الأكثر قمعا في العالم " إذا نظرنا للعالم العربي ككتلة أو منطقة كاملة يخيم عليها هذا القمع ، وليست دول متناثرة هنا أو هناك ، كالصين أو بورما أو إيران".
وقد لا يتجاوز عدد المهتمين بالشئون السياسية من مستخدمي الإنترنت في العالم العربي بضعة ألاف من النشطاء والمدونين ، من حوالي 58مليون مستخدم للإنترنت في العالم العربي ،إلا أن هؤلاء النشطاء والمدونين على قلة عددهم ونسبتهم المحدودة مقارنة بعدد المستخدمين ، قد نجحوا تماما في تسليط الضوء على فساد وقمع هذه الحكومات والأنظمة الديكتاتورية التي أعيتها الحيل لكبح جماح هؤلاء النشطاء والمدونين، لاسيما وقد كسبوا إلى جانبهم كتل ضخمة من قوى وحركات المعارضة العربية.

عقاب الصحفيين و الثأر من المدونين
وإذا كان من السهل على الحكومات والأجهزة الأمنية أن تمارس رقابتها وتضييق على وسائل الإعلام التقليدية مثل الجرائد أو المحطات التليفزيونية والفضائية ، عبر المنع من التوزيع والنشر أو البث أو الطباعة ، إلا ان الوضع يختلف مع الإنترنت ، حيث يأتي الحجب أو المنع بعد بث ونشر الموضوعات فعليا على شبكة الإنترنت ، وغالبا ما تتناقله المواقع عبر خاصية الـ " RSS" أو أن يتم نقل هذه الموضوعات بشكل كامل في مواقع ومدونات أخرى ، لذلك لا تجد الحكومات وأجهزة الأمن التابعة لها بدا من عقاب هؤلاء النشطاء على ما نشروه ، ليتحول إلى نوع من الثأر، من هنا فقد أصبح عدد المدونين و نشطاء الإنترنت الملاحقين والذين تعرضوا لانتهاكات أكثر بدرجة كبيرة من الصحفيين والإعلاميين في الوسائل التقليدية ، ولا يعني هذا بالطبع أفضلية لفئة مقابل أخرى ، بل لأن عقاب الصحفيين والإعلاميين الناقدين والمتمردين قد يكون سابقا للنشر أو الإذاعة عبر الوسائل التي ذكرناها ، في حين أن عقاب المدونين و نشطاء الانترنت يكون بعد النشر والبث على شبكة الانترنت "اي بعد وقوع الواقعة " ونظرة سريعة على سجناء الرأي أو ضحايا حرية الرأي والتعبير في بعض الدول التي درجت على عداء حرية التعبير مثل مصر وسوريا وتونس ، سوف تكشف لنا ببساطة عن تبوأ نشطاء الإنترنت لقائمة ضحايا هذه الحكومات.

أرباح مالية ، وخسائر تنموية
نادرا ما تخلو أي حكومة عربية من وزارة للاتصالات والمعلومات ، وايا ما كانت التسمية ، فجوهرها واحد ، وزارة تشرف وتدير هذا القطاع الذي يتضمن خدمة الإنترنت والهاتف بشقيه الثابت والمحمول ، وهي قطاعات باتت الحكومات العربية تنظر لها باعتبارها قطاعات تجارية مربحة ، وتترك معالجة الآثار الجانبية لهذه التكنولوجيا " إستخدامها في التعبير عن الرأي أو الاحتجاج السياسي" لأجهزة الأمن ،سواء عقاب المتمردين أو إصدار الأوامر بالتصنت أو بتنفيذ عمليات الفلترة وحجب المواقع.
وعلى الرغم من الضجة والتصريحات البراقة والمؤتمرات التي تعقدها هذه الوزارات، فإن هذه المظاهر تكون شكلية في أغلبها ، لا تعدو أن تكون "ضجيج بلا طحين" ، حيث لا تظهر اغلب الحكومات العربية اهتمام جدي باستخدام الثورة التكنولوجية الجديدة في التنمية أو صناعة وتطوير محتوى عربي حقيقي على شبكة الإنترنت ، ونظرة لما حققته الشركة المصرية للاتصالات على سبيل المثال في الشهور التسعة الأولى من عام 2009 ، من إجمالي الإيرادات بلغت 742,7 مليون جنيه مصري فى 30 سبتمبر 2009، بنسبة زيادة 3% عن الفترة المثيلة من عام 2008، وبلغ الربح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاكيات والمخصصات 175,4 مليون جنيه مصرى، ليصبح الربح الصافي مبلغ 576,2 مليون جنيه مصرى في تسعة أشهر فقط في حين تهدد وزراة الاتصالات بتوقيع عقوبات على شركات المحمول التي تخفض الأسعار للمستخدمين ، كما يمكن النظر لعدد حالات التحرش والاعتداءات ضد نشطاء الإنترنت التي وقعت في خلال عام 2008 فقط ، والتي بلغت نحو مائة حالة ، وصل الانتهاك فيها إلى الاختطاف والتعذيب
لذلك فلم يكن غريبا أن يصبح العرب" الحكومات على الأقل" خارج المعادلة ويصبح أقصى ما تفعله هذه الحكومات هو استهلاك التكنولوجيا دون صناعتها أو تطويرها.
وفي دراسة لأحد اكبر مراكز البحوث السياسية والإستراتيجية في الولايات المتحدة وهو معهد راند " RAND " قال الباحثين "إن ثورة المعلومات حقيقية‏،‏ وأن أمامها فرصة ضئيلة في ان تحقق‏ في مجتمعات غير ديمقراطية‏،‏ حيث تواجه الدكتاتورية ، وهي إما أن تخمد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏،‏ وبالتالي تتخلف عن الثورة الصناعية الجديدة‏،‏ أو ان تسمح بهذه التكنولوجيا‏،‏ وتعرض سيطرتها الشمولية لأن تتفوض بشكل حتمي‏، والحقيقة ان الأنظمة الدكتاتورية ليس أمامها خيار لأنها لن تستطيع علي الإطلاق ان تمنع مد الزحف التكنولوجي‏" ‏
وقد تجتهد قلة من الحكومات العربية لمحاولة اللحاق بهذه الثورة التكنولوجية والارتباط بها ، مثل دولة الإمارات أو الكويت ، إلا أن أقصى ما وصلت اليه هذه الحكومات هو زيادة عدد المواقع التي تنشئها أو زيادة محتواها ، ولكنها لم تعي أن الثورة التكنولوجية لا تقاس بحجم المادة التي تنشرها أو عدد هذه المواقع ، بل بالتغيير الذي تحدثه على الأصعدة المختلفة بدءا من الثقافية والسياسية إلى الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما نجح فيه نشطاء الانترنت وفشلت فيه الحكومات. وهو ما تطرقت له دراسة معهد راند حين أضافت " ان ثورة المعلومات ليست لعبة تأخذ منها ما تريد وتترك ما لا تريده‏،‏ فكل الدول والثقافات والمذاهب والشعوب يمكنها ان تجني ثمارها‏.‏ لكن هناك جوهرا أساسيا لثورة المعلومات لا يمكن ان تثمر وتعم فائدتها بدونه وهو‏ حرية التعبير‏،‏ وتبادلية المنافع بين الأفراد‏،‏ وعالمية الوصول الي المعلومات"
وبالطبع لا يجرؤ أشد المنافقين أن يزعم احترام الحكومات العربية لحرية التعبير أو دعمها لحق الوصول للمعلومات وتداولها.
من هنا باتت الهوة بين الحكومات نشطاء الإنترنت تتسع يوما بعد يوم ، حكومات تكتفي بدور التاجر ورجل الأمن ، نشطاء يرغبون في حياة ديمقراطية يصنعونها ويمارسونها ، سواء باستخدام الانترنت أو حتى خلاله كفضاء يصعب التحكم به.