skip to content

مقدمة

جدران من زجاج

لم يعد هناك شيئا خافيا في مصر، ولم تعد الصحف الحكومية هي المصدر الرئيسي أو الوحيد للخبر أو المعلومة، عليك بالصحف المستقلة والمدونات لتتعرف على الجانب الأخر، الجانب الحقيقي للحياة في مصر.

التعذيب، الفساد، القمع السياسي، الفقر، الاحتجاجات السلمية أو العنيفة...كلها حقائق موجودة ومتوطنة في مصر، لكن الإعلام الرسمي كان يُغفِل النشر عنها أو التعليق عليها.

لكن الأمر لم يعد كذلك، سوف تقرأ عن هذه الحقائق وسوف تعلم عنها الكثير، ليس عليك سوى مطالعة الصحف المستقلة والمدونات أو مشاهدة المحطات الفضائية.

لم يعد هناك مسئول بعيدا عن النقد، ولم يعد هناك سر يخفى على القارئ والمواطن المصري، ولم يعد جلادو التعذيب أحرارا في الانفراد بالضحايا، فالصحفيون الشباب والمدونون يسعون في دأب للنشر، والفضح، والنقد، والتصوير.

لم يعد تعبير "كل شيء على ما يرام في مصر" هو الشعار، بل أصبح الشعار " مصر ليست بخير ودعونا نعلن ذلك إذا ما أردنا العلاج".

حرية مدفوعة الثمن

الحكومة المصرية لم تتغير، وسياساتها لم تتبدل، فقط ظهر من يدفع ثمن هذا التغيير، ويسدد الفاتورة، إنهم الصحفيون والمدونون المصريين.

إنهم يسددون ثمن كل خبر وكل معلومة ينشرونها للقارئ وترغب الحكومة المصرية في إخفائها، يسددون ثمنا باهظا نيابة عن المواطن المصري.

السجن والتهديد والملاحقة والتشهير هو هذا الثمن.

ستة جرائد مستقلة وبضع مدونات أصبحت كالمجهر الذي يمسك به و يستخدمه المواطن المصري ليرى الواقع بكل عيوبه ومميزاته.

الدستور، البديل، المصري اليوم، نهضة مصر، الفجر، صوت الأمة، والمدونات.

تلك الجرائد والمدونات، ضخت المزيد من الدماء في شريان الصحافة المصرية، لتقود بعض الجرائد الحزبية التي كان لها شرف المحاولة من قبلهم، لدعم حرية التعبير وحرية الصحافة.

عشرة ؟ مائة؟ ألف؟ ألفان؟

كم عدد القضايا ضد الصحفيين؟

في محاولة من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان لحصر عدد الصحفيين والكتاب الذين تمت محاكمتهم أو التحقيق معهم في عام 2007، لم نندهش أن يعجز حتى الخبراء عن حصر هذا الكم الهائل من القضايا، وفي لقاء مع الأستاذ سيد أبو زيد المحامي والمستشار القانوني لنقابة الصحفيين قال " من الصعب حصرهم، فعدد الاستدعاءات للتحقيق تجاوز الألف، ورقم الخمسمائة الذي ذكرته يتعلق بالمحاكمات التي أعلم عنها فقط"!!

وهكذا ببساطة، أكثر من ألف استدعاء للتحقيق مع صحفيين، وأكثر من خمسمائة محاكمة لصحفيين، ولا يشمل هذا الرقم التحقيقات التي تتم مع صحفيين غير مقيدين في النقابة،و لا يشمل الصحفيين في الصحافة الشعبية أو الإلكترونية والمدونين، وكذلك بالطبع لا تشمل الفنانين أو الكتاب، لأنهم ببساطة ليسوا أعضاء في نقابة الصحفيين.

وبشكل عام وقبل الولوج إلي أحداث عام 2007 يجب أن نلفت الانتباه إلي مجموعة من العوامل التي تؤثر في الأداء الصحفي ودور الصحفيين، منها:

انفراد السلطة التنفيذية وفي القلب منها أجهزة الأمن باتخاذ القرار علي حساب باقي السلطات الأخرى، فالقوانين والمناخ العام و واقع الحال في مصر يعلي من شأن السلطة التنفيذية علي حساب السلطتين القضائية والتشريعية.

غياب أي قانون أو ممارسة حكومية للشفافية وتداول المعلومات بل علي العكس فهناك العديد من القوانين التي تقيد الحق في الحصول علي المعلومات ونشرها، فحتى الصحف الحكومية تعتمد علي وكالات الأنباء أو علي التحليل والاستنتاج والتخمين, وكما قال أحمد كمال أبوالمجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في كلمته، التي افتتح بها ورشة العمل التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان في العاشر من نوفمبر 2007، حول دور الصحافة في تعزيز حقوق الإنسان " إن حجب المعلومات يدفع الصحفيين إلي نشر أخبار كاذبة " ، و أن الدولة مسئولة عن نشر الشائعات لكونها تحجب المعلومات والبيانات عن الصحفيين.

غياب بل واندثار قيمة صحفية وأداة من أدوات تصويب الأخطاء المهنية،نص عليها ميثاق الشرف الصحفي، وهي حق الرد والتصحيح والتكذيب ليحل محلها ما أطلق عليه في الفترة الحالية "الحسبة السياسية" حيث يحرك الدعوى الجنائية ضد الصحفي شخص - أو أشخاص - غير ذي صفة أو مصلحة، ورغم ذلك تقوم بعض المحاكم بقبول هذه القضايا، في حين ترفضها محاكم أخرى !!

قانون القيد بالنقابة الذي أصبح وسيلة ضغط علي رأي الصحفي أو حتى ابتزازه سواء في الصحف الحكومية أو الحزبية أو الخاصة، ويجعل بعضهم يقبلون العمل في شروط صعبة وقاسية، وبأجور متدنية.

ثمة تعديلات طفيفة أدخلت على قانون العقوبات لكنها لم تغير من الأمر شيئا، وبقيت مواد عقوبة الحبس في العديد من الجرائم المطاطة والمراوغة التي تسمح للحكومة بتفسيرها بشكل يؤثمها أو يبيحها، تبعا لعلاقة الصحفي أو الكاتب بالمسئولين الحكوميين. وهو ما يقول عنه الصحفي كارم يحيى: "صحافتنا تمارس حرية عرفية خارج القانون مرهونة برضا السلطة التنفيذية".