skip to content

السودان

على الرغم من ضمانات حرية التعبير المتضمنة في الدستور السوداني المؤقت الصادر عام 2005، إلا أن السلطات ظلت تتصرف وكأن حالة الطوارئ ما زالت سارية. فقد ظل تعليق صدور الصحف وتوجيه الاتهامات الجنائية ضد الصحفيين واحتجازهم من الممارسات الروتينية في عمل الصحفيين في السودان. وعندما يسعى الصحفيون لتغطية إحدى أكبر المواضيع الصحفية في العالم—التطهير العرقي في دارفور—فإنهم يواجهون عوائق شديدة.

وفقا لتقارير صحفية دولية، قامت ميليشيا الجنجويد العربية التي تدعمها الحكومة بقتل ما يزيد عن 200,000 شخص وتشريد ما يقارب 2,5 مليون آخرين خلال السنوات الأربع الماضية في منطقة دارفور الواقعة غرب السودان.قامت إحدى الجماعات الثائرة، وهي فصيل من حركة تحرير السودان التي يقودها ميني أركو ميناوي، بتوقيع اتفاقية سلام دارفور مع الحكومة السودانية في عام 2006. وقد كانت الغرض من الاتفاقية إيقاف القتال الذي تواصل لمدة ثلاث سنوات في دارفور، ولكنها أصبحت غير ذي جدوى إلى حد بعيد بسبب رفض الجماعات الأخرى الانضمام للاتفاقية. وقد سمحت الحكومة لقوة مشتركة لحفظ السلام تساهم فيها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بنشر قوات في المنطقة، ولكن العنف تواصل—وكذلك الكفاح من أجل التمكن من تغطية الموضوع صحفيا.

قال الصحفي المسلمي البشير الكباشي، مدير مكتب قناة "الجزيرة" في الخرطوم، للجنة حماية الصحفيين إنه كان بإمكان الصحفيين المحليين والأجانب السفر من العاصمة إلى دارفور دون إعاقة من السلطات. ولكن عند الوصول إلى هناك، فإن غياب الأمن في تلك المنطقة الغربية عادة ما يمنع الصحفيين من السفر بحرية. وقال إن عصابات من المجرمين انتهزت فرصة الفوضى، وأخذت تشكل خطرا شديدا.

أما البث الإذاعي والتلفزيوني السوداني، وحتى عندما لا يبث تغطية عن مركز الأزمة، فإنه يظل تحت سيطرة مطلقة بيد حكومة الرئيس عمر حسن البشير. وتتمتع الصحافة المطبوعة بهامش حرية أكبر، وهي تتألف من صحف يومية وأسبوعية بعضها مستقل أو معارض وبعضها مؤيد للحكومة. وقد أوردت الصحف المستقلة، مثل صحيفتي "الصحافة" و "السوداني" تغطية جريئة للمواضيع الحساسة، مثل الفساد الحكومي وتصرفات الأجهزة الأمنية. وكذلك قدمت القنوات الفضائية العربية مثل "الجزيرة" و "العربية" تغطية جريئة حول تصرفات الحكومة.

خرجت السودان من نزاع استمر لعدة عقود بين النخبة العربية المسلمة في الشمال، وبين الأفارقة غير المسلمين الفقراء في الجنوب، وذلك بعد توقيع اتفاقية سلام شاملة في كانون الثاني (يناير) 2005. وقد انتهت حالة الطوارئ التي امتدت لفترة طويلة حينما شكل حزب المؤتمر الوطني الحاكم ذو النزعة الإسلامية، وحركة التحرير الشعبية السودانية حكومة وحدة وطنية بقيادة البشير. وفي أوائل تموز (يوليو) 2005، أقرت السودان دستورا وطنيا مؤقتا اشتمل على ضمانات لحرية الصحافة وحرية التعبير. ولكن حكومة البشير لم تلتزم دائما بتعهداتها.

على الرغم من الضمانات الدستورية، عادة ما تقوم وزارة العدل والنيابة العامة باللجوء إلى المادة 130 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر عام 1991 من أجل تعليق صدور الصحف بسبب تغطيتها لمواضيع مثل الاضطرابات الشعبية، وأجهزة الأمن، وتصرفات وزير العدل ومسؤولين آخرين، وتحقيقات جنائية معينة. وذكر صحفيون إن تلك المادة القانونية لا تنطبق على الصحافة، إذ أنها تتناول بصفة محددة "الجرائم المتعلقة بالسلامة العامة والصحة".

وفي شباط (فبراير)، عمد وكيل نيابة الدولة إلى تعليق صدور الصحيفة العربية البارزة "السوداني" لأجل غير مسمى بسبب قيامها بتغطية جريمة قتل محمد طه محمد أحمد، وهو محرر صحيفة "الوفاق" الذي تم قطع رأسه في أيلول (سبتمبر) 2006. وقال وكيل النيابة إنه فرض الحظر بموجب المادة 130 "لمنع أي تدخل" في التحقيقات. وقال رئيس تحرير صحيفة "السوداني"، محجوب عروة، لوكالة رويترز إن الصحيفة ليس لها أي تأثير على مجريات التحقيق كون التحقيق قد انتهى. ولاحقا أسقطت محكمة الاستئناف حكم تعليق الصحيفة، وتم رفع الحظر عن صدورها بعد فترة وجيزة.

وجه وكلاء النيابة الاتهام بارتكاب جريمة القتل البشعة التي ذهب ضحيتها المحرر الصحفي، إلى 19 شخصا من دارفور، بينهم امرأتان وفتى في السادسة عشرة من عمره. وكان الصحفي القتيل محمد طه قد أثار غضب الإسلاميين لقيامه بنشر مقال حول النبي محمد، كما كتب مقالات انتقد فيها الجماعات المسلحة الناشطة في دارفور. وأوردت وكالة أسوشيتد برس إن محكمة جنائية في الخرطوم أسقطت الاتهامات عن تسعة أشخاص من المتهمين في آب (أغسطس)، وذلك بسبب نقص الأدلة، ولكنها أصدرت حكما بالإعدام ضد المتهمين العشرة المتبقين في 10 تشرين الثاني (نوفمبر). وكان بعض المتهمين قد اشتكوا من أن أجهزة الأمن السودانية قامت بتعذيبهم وانتزعت منهم اعترافات قسرية. وعبر صحفيون عن تشككهم من أن التحقيق قد كشف عن مدبري الجريمة.

وفي أيار (مايو)، قامت الحكومة بتعليق صدور صحيفة "السوداني" من جديد بموجب المادة 130 بزعم إنها شهّرت بوزير العدل محمد علي الماردي. وقال الصحفي عثمان ميرغني الذي يعمل في الصحيفة للجنة حماية الصحفيين إنه كتب مقالا ناقدا دعا فيه الوزير إلى الاستقالة بسبب إدارته لقضية تتعلق بتبيض أموال. وقد تم احتجاز ميرغني ومحجوب عروة لعدة أيام، ولكن لم توجه ضدهما أية اتهامات. ووفقا للتقارير الإخبارية، سمحت الحكومة للصحفية بمتابعة الصدور في 23 أيار (مايو)، بعد حملة مكثفة نظمها الصحفيون المحليون. وقد خضع وزير العدل محمد الماردي للضغوط المتزايدة، فأعلن إن المادة 130 من القانون لن تستخدم مرة أخرى ضد الصحافة.

مجلس الصحافة والمطبوعات الوطنية هو الهيئة السودانية الرسمية لتنظيم الصحافة، وقد وضع متطلبات متشددة لترخيص الصحف. وقد أصدر المجلس أمرا بتعليق صحيفة "الوطن" اليومية لمدة يومين بعد أن نشرت في شباط (فبراير) مقابلة مع اثنين من المتطرفين الدينيين هددا خلالها بأنهما سيقتلان أجانب في السودان. وقال نائب رئيس تحرير الصحيفة عادل سيد أحمد للجنة حماية الصحفيين إنه تم توجيه اتهام للصحيفة "بإثارة الكراهية ضد الدولة" وانتهاك المسؤوليات الصحفية.

يعمد المسؤولون الحكوميون بصفة منتظمة إلى رفع شكاوى جنائية ضد الصحف والصحفيين لقيامهم بنشر ما يزعم إنه معلومات كاذبة. وقال محررون صحفيون للجنة حماية الصحفيين إن النيابة العامة تتشدد في ملاحقة صحفهم وموظفيهم. ووفقا لرئيس تحرير الصحيفة اليومية المستقلة "الأيام" محجوب محمد صالح، فإن مؤسسات حكومية أو مسؤولين حكوميين رفعوا خمس دعاوى جنائية ضد صحيفته. وقال عادل سيد أحمد من صحيفة "الوطن" إن صحيفته تواجه عشر محاكمات منفصلة بسبب تغطيتها الصحفية. وقال محررون صحفيون للجنة حماية الصحفيين إنه إضافة إلى الغرامات الباهضة التي تفرض على صحفهم في العديد من القضايا، فإن ذلك يعيق عملهم أيضا بسبب الوقت الطويل الذي يضطرون لإمضائه في المحاكم.

وعندما لا تكون الحكومة منهمكة برفع الدعاوى الجنائية ضد الصحف، فإنها تنشغل بمصادرة الصحف وفرض الرقابة على التغطية الصحفية. فقد قام ضباط بأجهزة الأمن بمصادرة جزء من نسخ الصحيفة اليومية المعارضة "رأي الشعب" من المطبعة في 21 آب (أغسطس)، وذلك حسب ما أفاد به صحفي يعمل في الصحيفة للجنة حماية الصحفيين. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، قامت السلطات بمصادرة جميع نسخ المجلة الأسبوعية المعارضة "الميدان" دون ذكر السبب.

وفي أواسط حزيران (يونيو)، حاولت الحكومة منع التغطية الصحفية حول مواجهة عنيفة أدت إلى مقتل عدة أشخاص جرت في قرية فريق الواقعة في الشمال بين القوات السودانية وعدة آلاف من المتظاهرين النوبيين كانوا يحتجون على إنشاء سد كجبار. وفي حين لم تصدر السلطات حظرا رسميا بشأن تغطية الموضوع في الإعلام، إلا أنها من الناحية الفعلية عملت على منع الصحفيين من الوصول إلى المنطقة واعتقلت الصحفيين الذين نشروا تغطية حول المصادمات. ويعيش ما يقارب 300,000 من النوبيين، وهم جماعة عرقية لهم ثقافة ولغة مميزتين يعيشون في قرى محاذية لنهر النيل شمال الخرطوم. وأوردت وكالة أسوشيتد برس إن الحكومة وضعت خططا لإنشاء سدود في منطقتهم من شأنها أن تغرق 30 قرية، مما سيجبر سكان تلك القرى على الرحيل. ووفقا لمصادر لجنة حماية الصحفيين، أدت حملة القمع ضد المتظاهرين إلى مقتل أربع مدنيين إصابة 19 آخرين بجراح.

قامت السلطات باعتقال صحفيين في عدة مناسبات. وفي إحدى الحالات الشائنة، احتجزت السلطات مراسل صحيفة "رأي الشعب" مجاهد عبدالله لمدة شهرين بسبب انتهاكه الحظر على تغطية أحداث سد كجبار. وقد أفرجت عنه في 19 آب (أغسطس) دون توجيه اتهامات بعد أن اضطر لكتابة تعهد بعدم كتابة أي شيء سلبي حول المشروع.

عانى الصحفيون أثناء أدائهم لمهماتهم من مضايقات جسدية على يد أجهزة الأمن السودانية. والمثال الذي أثار قلقا شديدا هو تعرض الصحفي نيكولا دومنيك مانديل في آذار (مارس) للاعتقال والضرب، وهو منتج سوداني يعمل مع الإذاعة السودانية (SRS) التي تمولها الحكومة الأمريكية. وأوردت تلك الإذاعة إن مانديل كان قد ذهب إلى منطقة تقع في شمال شرق الخرطوم لتغطية مصادمات جرت بين قوات الأمن وفصيل ميناوي المنشق. وقامت قوات الأمن بمنع عدة صحفيين، بما فيهم مانديل، من تغطية المصادمات. وقال للإذاعة إنه بينما كان ينتظر سيارة تكسي لمغادرة المنطقة، أجبره عناصر من قوات الأمن على ركوب سيارة شرطة، ثم وضعوا عصابة على عينيه وبدأوا بضربه. وأوردت الإذاعة إن السلطات اتهمته بأنه "عميل لجهة أجنبية في السودان تعمل على نشر الأيديولوجية الأمريكية"، واحتجزته لمدة خمسة أيام.

تعرض الصحفيون الأجانب الذين يحاولون تغطية أحداث دارفور لإعاقات لعملهم. وأصدر مجلس المعلومات الخارجية، وهو مكتب ارتباط صحفي، تأشيرة خروج في آذار (مارس) لمراسل محطة "بي. بي. سي" جوناه فيشر، وأجبرته على مغادرة البلاد خلال شهر واحد، وذلك حسب ما أفاد به ذلك الصحفي. وأخبر مجلس الاعلام الخارجي محامي فيشر بأن وزارة الداخلية اعتبرت تغطيته الصحفية "معادية"، إذ أن تغطيته تضمنت تقريرا صحفيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 زعم إن الحكومة تعمل بتنسيق وثيق مع ميلشيا الجنجويد. وقد غادر فيشر السودان في نيسان (إبريل).

وقال فيشر، إنه يتعين على الصحفيين الراغبين بدخول منطقة دارفور أن يحصلوا على تصريح من مجلس المعلومات الخارجية المثقل بالبيروقراطية، ومن قادة الجيش الذين فرضوا قيودا على السفر إلى المنطقة. وكانت التكاليف المالية والوقت المطلوب للحصول على التصريح وعدم التأكد من نتيجة الطلبات المقدمة للحصول عليه، قد أثبطت عزم بعض الصحفيين عن الحضور لتغطية النزاع. وعلاوة على ذلك، فإن حضور قوات الأمن وعملائها في مخيمات اللاجئين جعل سكانها مترددين في التحدث بحرية للصحافة.

أما بالنسبة للصحافة المحلية، وحتى الصحف المستقلة، فقد كانت الرقابة الذاتية ثقيلة الوطأة مما منعها عن تغطية الفظائع التي ترتكبها الحكومة أو التي تنفذها ميليشيا الجنجويد. بينما تتمتع الصحافة الناطقة بالإنجليزية بهامش حرية أكبر، وعادة ما تعمد إلى إعادة نشر تقارير إخبارية تنشرها الصحف الغربية. ومع ذلك، ففي معظم الأوقات، ظل قسم كبير من المواطنين يجهلون مدى العنف الذي يحدث.