skip to content

الانترنت في السعودية

يا سيدي الكريم،
في البداية أهنئكم، وأتمنى لكم التوفيق في جهودكم الحقوقية، والرقابية على حقوق الإنسان العربي. ومبادرتكم الأخيرة نحو إنترنت حر في البلدان العربية، واحد من أعظم المشاريع التي ستساعد في رفع الحظر عن أكبر مصدر معلومات ومحتوى آراء، في الدول العربية.

وإن مما يجعلني حزينا، أن أرى مثل موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وهو الموقع الذي لم يدعُ يوما إلى عنف، ولم يشجّع على سوء، ضمن قائمة المواقع المحجوبة في السعودية ! فمنذ أكثر من عشرين يوما، أغلق الموقع، ولم يزل كذلك حتى الآن ! وأنظر كيف اتفق ذلك (أي حجب الموقع) مع إطلاق الموقع ذاته لمبادرة (الإنترنت الحر) ! ففي ذلك مشهد يجمع بين دعاة الحرية وأعدائها.

إن وضع الإنترنت في السعودية منذ دخوله كأداة اتصال عام 1998، وهو وضع سيء، متردٍ، وذلك لأنه بدأ بوجود آلية الحجب وترشيح المواقع، وقيل أن الهدف منها هو منع عرض المواقع الإباحية ومواقع المخدرات والجريمة، وكان ذاك هدفا نبيلا فيما لو بُني على أسس وقوانين مكتوبة يلتزمها موظفو مراقبة الإنترنت إلا أن ما حدث للأسف كان على العكس من ذلك تماما إذ استخدمت آلية الحجب استخداما فوضويا عشوائيا، يخضع للمزاج لا للقانون، وتغيب عنه المنهجية.

فمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (الجهة المشرفة على الإنترنت في السعودية) تخضع بدورها لأربعة ضغوط:
1. ضغط السلطة السياسية : وهذا الضغط يتأتى عبر إلزام المدينة بحجب أي موقع سياسي المحتوى، لا يتناسب ما فيه مع توجهات السعودية السياسية، ويدخل في ذلك أي موقع يسمح بعرض آراء تنتقد الحكومة أو العائلة المالكة السعودية (أمثلة: صحيفة القدس العربي، وكالة الأنباء السعودية الإخبارية "واسم"). وكذلك مواقع الجمعيات أو التجمعات غير الرسمية (الشبكة العربية لحقوق الإنسان، جمعية حقوق الإنسان أولا) ، وكذا المواقع التي تتبنى آراء التيارات الأكثر تحررا وتمدنا، والتي هي على الغالب، لا تعجب التوجهات الشعبية، بما يتطلب تدخل السلطة عبر إغلاق تلك المواقع (درءا للفتنة) وحفظا لـ (خصوصية) المجتمع السعودي (الحوار المتمدن، إيلاف منتديات: طوى، دار الندوة، الحرية، الطومار...). إلى هذا، تمارس الضغوطات من السلطة أيضا لاستمرار مراقبة المواقع المحجوبة حتى بعد الحجب للتأكد من عدم إنشاء روابط بديلة لتلك المواقع.

2. ضغط وزارة الداخلية : والمفترض أن تكون المواقع المستهدفة من قبل وزارة الداخلية هي المواقع التي تساعد أو تشكل نقاط تواصل بين المجرمين الذين يشكلون خطرا على الأمن الداخلي (الإرهابيين من ضمنهم) . إلا أنه تُحجب، إلى جانب تلك المواقع، دون مسوغ أو مبرر مواقع أخرى منها ما يهتم بأخبار وزارة الداخلية، ويشكل رافدا يُساند الوزارة (صحيفة الوفاق الإلكترونية)، ومنها ما يتبنى الحل الفكري لمشكلة الجريمة وخصوصا (جرائم الإرهاب)، إلا أن الحجب يطالها أيضا.
ويُذكر عن وزارة الداخلية أنها تكلف المدينة كذلك بمتابعة كتّاب بعينهم أو جلب معلومات عنهم، أو معرفة مصادر اتصالاتهم وغير ذلك، وهذا ضغط من الضغوط التي تواجهها مدينة الملك عبدالعزيز كذلك، من قبل وزارة الداخلية.

4. الضغط الشعبي : وذلك عبر الاستمارات المتوفرة في واجهة أي موقع محجوب ويمكن من خلالها تقديم طلب لحجب موقع آخر يرى المتصفح (أيا كان) أنها ذات محتوى ينبغي حظره. ولدى التيارات المنظمة (الدينية على وجه الخصوص) في السعودية، هناك مجموعات من المتطوعين يقومون بإرسال آلاف طلبات الحجب للمدينة ضد موقع معين، على شكل "حملة" لإيقاف ذلك الموقع، وهو ما يحدث بالفعل. رغم تأكيدنا على أن طلبات الحجب التي يتقدم بها المتصفحون لا تعد سببا رئيسيا في حجب المواقع، إلا أنها ذات تأثير خصوصا عندما يرافقها سعي عملي للحجب من أطراف عدة. (تقول مدينة الملك عبدالعزيز في تصريح من مدير وحدة المعلومات فيها لجريدة شمس في مارس 2006 أن عدد الاستمارات التي ينظر فيها يوميا يتجاوز 30 ألف طلب، ما بين طلبات حجب وطلبات فتح).

3. ضغط المؤسسة الدينية : وهو أشنع الضغوط وأقواها وأبعدها عن العدل والحق، يعود ذلك إلى أن الضغط الديني يكون مساندا بالضغوط الثلاثة السابقة (السياسي والأمني والشعبي)، فيحمل قوة لا يدرك نتائجها جيدا، وسلاح كهذا يقع لدى مؤسسة كهذه، يؤدي كما هو حاصل إلى حجب الكثير من المواقع ذات التوجهات المختلفة، ولا نبالغ إن قلنا أننا نتوقع أن أكثر من 80 بالمئة من المواقع المحجوبة (غير الإباحية) في السعودية، جاء حجبها بعد ضغوط من المؤسسة الدينية.

وتحصلت المؤسسة الدينية على هذه القوة من عدة أسباب:

‌أ- شمول المؤسسة الدينية لكل ذوي الميول الدينية، من الموظفين الحكوميين كأعضاء هيئة كبار العلماء وأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والجهات الدينية الحكومية على العموم، إلى المشايخ المستقلين، إلى الخطباء، إلى الدعاة، والوعاظ، وطلبة العلم الشرعي، وحتى العامة ممن يملك هؤلاء آرائهم (وهذا الصنف من العامة يشكل أغلبية في السعودية).

‌ب- التاريخ السياسي للدولة السعودية وعلاقته المباشرة بالدين و (الوهابية) على وجه الخصوص، بما لا يدع فرصة للحكومة السعودية في أن تعترض أو حتى تتحفظ على أي رأي ديني خصوصا إن كان مسانداً بتأييد من المشايخ الرسميين أو المستقلين ممن يحظون بجماهيرية شعبية.

‌ج- ثقة الغوغاء المطلقة في رجال الدين، واتباعهم لآرائهم في كل مجال، ومساندتهم في حملاتهم (ضد المواقع والأشخاص وغير ذلك) دون أن يكونوا على علم بأسباب تلك الحملات أو نتائجها، وهم في هذا أدوات تنفيذ مباشرة، تمتلك سلطة معنوية هائلة، في أيدي رجال الدين.
ويأتي على رأس المواقع التي تهاجمها المؤسسة الدينية وتسعى حثيثا لحجبها، مواقع التيارات غير الدينية أي ذات التوجهات غير المتوقفة على الدين والشريعة، وترى المؤسسة الدينية المتغلغلة في شؤون الحياة في المجتمع السعودي أن هذه المواقع والممنتديات تشكل الخطر الأعظم على عرشها، فتسعى لمحاربتها وتجنيد أتباعها من كتاب وخطباء ووعاظ إلى قيادة حملة ضدها غالبا ما تتوّج وفي فترة وجيزة بحجب ذلك الموقع.
أما الفئة الثانية من المواقع التي تتعرض لمثل هذا الهجوم فهي مواقع المذاهب الإسلامية الأخرى في السعودية، وعلى رأسها المواقع الشيعية، إذ لا يُسمح لأي موقع شيعي ببث محتواه في السعودية مهما كان ذاك المحتوى، رغم أن أتباع المذهب الشيعي يأتون في المرتبة الثانية في عدد السكان بعد المذهب الوهابي المفروض. إلا أن هذا لم يشفع لهم بفتح موقع سعودي واحد، إلا ما كان بالخوف والخفاء. وغني عن الذكر شرح الحالة مع المذاهب الأخرى.

وتتميز ضغوط المؤسسة الدينية بأمر لم تعرفه الضغوط الأخرى، وهو الضغط العكسي، أي الضغط من أجل بقاء موقع ما، قائما ومفتوحا ! وليس القارئ بحاجة لمعرفة المواقع التي تقرّها المؤسسة الدينية إذا علم أنها تهاجم المواقع الفطرية والتنويرية والحقوقية. إنما لعل أبلغ مثال على ذلك موقع ومنتديات (الساحات) وهو أحد أهم قواعد الإتصال بين الإرهابيين في السعودية، ويحتضن الموقع البيانات الرسمية من قيادات التنظيم كمحطة بث مباشر، ولا تخفى على أي متصفح هوية المنتدى الإجرامية، عبر سماحه بإطلاق دعوات القتل ضد أشخاص بعينهم، فضلا عن المصيبة العظمى في توفيره مساحة للإرهابيين لبث أفكارهم وإقناع العامة بمبادئهم التخريبية. ورغم كل ذلك ورغم وقوفه الصريح في وجه الحكومة السعودية، إلا أن الموقع ما زال من أسرع المواقع التي تفتح لأي متصفح سعودي ! وحجب أكثر من مرة إلا أن مدة الحجب لا تتجاوز في غالب الأحيان عشرة ايام ليعود الموقع ثانية ما يترك تساؤلا عميقا تجاه الفكر الذي تُدار به المؤسسة الدينية في البلاد.

هذا ما كتبه مستخدم انترنت سعودي طلب عدم الكشف عن هويته لخطورة قول مثل ذلك في السعودية 11 أكتوبر 2006م.