skip to content

الإنترنت والاستبداد

أحمد محمد صالح
أعلن موقع الحوار المتمدن ان السلطات السعودية حجبت ومنعت الموقع داخل السعودية ، دون الاعلان عن الاسباب ، وإذا كان ذلك يعد انتهاكا وخرقا فاضحا لحرية الرأي والتعبير وحقوق مواطني وساكني السعودية , ويتعارض بشكل كامل مع ادعاءات الاصلاح التي تدعيها السلطات السعودية كما يقول الموقع ، فأن السعودية فعلت مثل إمبراطور الصين القديمة الذى كان يذهب إليه المخترع ، ويعرض عليه اختراعه، متفاخرا بمزاياه التى ستجعل الإمبراطور يطير فى السماء ، ويعبر الجانب الآخر للبحار والجبال ، فيأمر الإمبراطور بإعدام المخترع ، لماذا ؟! لأن الاختراع سيمكن الأعداء من تجاوز سور الصين العظيم وغزو البلاد، تماما مثل ما تفعلة حكومات المنطقة العربية وليست السعودية وحدها ، التى تمنع وتراقب الأنترنت خوفا على الشباب من أفكار الجنس وصور البرنوجراف ، وخوفا على تلويث عقول مواطنيها بأفكار الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ، لدرجة ان هناك الآن من يطالب فى المنطقة بإحراق كتب وأفكار الآخرين خوفا على التراث والثقافة من الاختراق ، أو من يكفر أفكار المجتهدين ، كلهم مثل إمبراطور الصين القديمة .

لكن السؤال المطروح هل الإنترنت يضمن ويدعم الديمقراطية؟!
النقاد و السياسيّون على حدّ سواء مغرمون جدا بهذا الإدّعاء , لكنه بديهيّة فارغة و خطيرة في نفس الوقت . فعلاً لدى الإنترنت نزعة وميول ديمقراطيّة قويّة . فهى منتدى وسّاحة شاسعة تشجّع " العديد من الناس على التفاعل مع بعضهم البعض , فالشبكة تجعل من الممكن للمواطنين حول العالم المشاركة على الملأ فى حوار عام . و هيكلها وبنيتها غير المركزية يساعد الأفراد على تجنب وتجاوز كل بوابات الرقابة والتحكم فى تدفّق المعلومات و السّلع . وبحكم طبيعة الإنترنت ليس لها مالك او ملاك يملكون البروتوكولات التّقنيّة التى تَجْعَلُ عمل الشبكة مقيد بأغراض حكومية او يتحكمون فى درجة المصارحة والشفافية . ومع ذلك فان هذة الميزات التى توفرها الإنترنت يمكن التحكم فيها وتحديدها بواسطة شفرة وكود من خلال برامج معينة يتم من خلالها حجب ماهو غير مرغوب . وباختصار أصبحت الإنترنت , في قلب صراعات السّلطة المتنوّعة في العصر الرّقميّ . ولا يجب أن نكون مندهشون لرؤية الحكومات و الهيئات تحاول ان تكود وتشفر الشبكة لحفظ سلطتهم أو ارباحهم . لكنّ التشفير والتكويد ليس كل شيئ . حتّى إذا امكن أن نغلق ونتحكم ونلغى المميزات الدّيمقراطيّة للإنترنت , فأن التأثير السّياسيّ الأساسيّ لهذه التّكنولوجيا ( أو أيّ تكنولوجيا آخرى ) يعتمد على ثلاثة عوامل أولها التصميم التقنى للتكنولوجيا نفسها ، ثانيا طريقة ومقصد استعمال التكنولوجيا ، ثالثا البيئة الاجتماعيّة والثقافية والسياسية التي تنتشر فيها تلك التكنولوجيا . فالتصميم و الاستعمال و البيئة ، تستطيع من خلالها الإنترنت أن تقمع الديمقراطية، وأيضًا يمكنها تنمية وترقّيه الديمقراطيّة .

هل الإنترنت يمكن ان تكون جنة المقهورين فى الإرض ؟!
ربّما ، تمكّن الشبكة الأفراد ان يتحدثوا فى كل شىء , وتسمح لهم ان ينشروا رؤاهم في كلّ مكان فى العالم من خلال عشرات الآلاف من صحف الإخباريّةٌ الإليكترونية و البريد إلكترونيّ , وتنشر ايضا موسيقاهم من خلال الأشكال الجديدة لتخزين الموسيقى ، وتسمح لهم بانشاء مواقع لهم يقولون فيها بصراحة أفكارهم وهواجسهم وعلى مدار الـ 24 . فالفوائد السّياسيّة واضحة تماما فى الإنترنت . في 1996 , على سبيل المثال , أعضاء المعارضة الصّربيهّ استعملوا الإنترنت لإذاعة برامج محطة الراديو المعارض للحكم , والتي كان قد اغلقها الرّئيس سلوبودان ميلوسيفيك . وانتشر صوت المحطة من الإنترنت حول العالم ، وفي بداية 1999 مع حملات قذف حلف شمال الأطلنطيّ ،اضطر ميلوسيفيك تحت الضّغط الدوليّ ان يعيد فتح المحطّة .

في الصّين , لين هاي , رجل أعمال يعمل فى برامج الكمبيوتر , تلقّى حكم لمدّة سنتين بسبب استخدامه البريد الليكترونى فى بث رسائل إلى 30 الف عنوان على الشبكة ، إلى المعارضين والمنشقين خارج الصين ، ونشر عناوين بريدهم الإلكترونيّ فى مجلّة إليكترونية على الويب تدافع عن الديمقراطية . وفي سابقة أدانتها جماعات حقوق الإنسان الدولية، بدأت في الصين لأول مرة هذة الايام محاكمة مواطن انشأ موقعا على شبكة الإنترنت وكان هوان كي ، الذي يبلغ السادسة والثلاثين من العمر قد اعتقل في يونيو حزيران الماضي في مدينة تش دو جنوب غربي الصين حيث يحاكم حاليا بتهمة محاولة تقويض سلطة الدولة من خلال نشره مقالات على موقع الإنترنت الخاص به، تتحدث عن انتفاضة عام تسعة وثمانين الداعية إلى الديمقراطية ويذكر أن جميع المقالات التي أثارت غضب السلطات لم يكتبها المتهم ولكنها أرسلت إليه من قبل زوار الموقع الذي يتم إدارته من خارج الصين في الوقت الحالي، وكان عدد من الصينيين قد تعرضوا للاعتقال سابقا بسبب إرسالهم قوائم لعناوين البريد الإلكتروني إلى منظمات حقوق الإنسان خارج الصين ويجدر بالذكر أنه بموجب قانون صدر في ديسمبر كانون الأول الماضي في الصين فإن النشاطات المعادية للدولة على شبكة الإنترنت تعد جريمة، ومن المعروف أن هناك إقبالا مرتفعا على شبكة الإنترنت في الصين أدى إلى مضاعفة عدد مستخدمي الشبكة ليصل إلى نحو سبعة عشر مليون نسمة . و في بورما , حيث كلّ التّكنولوجيا التّفاعلية تحت السيطرة , مات واحد من مؤيّدى حركة الديمقراطية في السجن , لأنه كان يستعمل ماكينة فاكس بدون رخصة .

والأمثلة السابقة لحكومات تستعمل الطريقة القديمة وهى القوة .
لكنّ حتّى بدون تدخّل الحكومة , فمنظر تكنولوجيا المعلومات الجديده يوحى بإختلاف حرّيّة الكلام الدّيمقراطيّ التقليدى الذي نعرفه فالتفاخر بان الإنترنت هى " سوقا للأفكار " يفترض وجود منبر او منتدى شعبى تذاع فيه الافكار , ويحكم فيها على مصداقيتها ، وليس على مصادرها . بالطّبع الواقع فى الإنترنت مختلف تماما وهناك مستويات مختلفة للوصول إلى هذا السّوق يعتمد دائما على وضع المتحدّث ومكانته و مدى ثروته (على سبيل المثال , ليس اى شخص فى مقدره أن يتحمّل شراء الإعلانات لنشر رسالته عبر الويب ) ، علاوة على ان انتشار المعلومات وتكاثرها وأنفجارها , زاد من أنتشار تكنولوجيات فلاتر وترشيح المعلومات ، واصبح سوق الكلام فى الانترنت أكثر وحشية . واصبح من المحتمل حتمية دّفع مقابل مادى حتى يسمعك العالم بحرية . وفي عالم اليوم حيث يكون الانتباه نادرا بشكل متزايد , فقدت فى فضاء الإنترنت (السيبرسباس) أصوات الكثير من المستفيدين المبكّرين للإنترنت سواء كانوا أفراد او مؤسسات صغيرة لا تربح من الأنترنت مثل محطات الاذاعة والموسيقى ، التقليدية او كوابل القنوات العامة كلهم غرقوا فى مزيدات من يدفع أكثر .

هل تستطيع الحكومات فرض سيطرتها على فضاء الإنترنت ( السيبرسباس) ؟!
نفكّر مرة ثانيةً . منذ عدة سنوات , مؤيّدو حقوق الحرية فى السيبرسباس ، والمبدعون لتقنيات الإنترنت حاولوا جاهدين ان يجنبوا الإنترنت من الإلتزام بلائحة حكومية صارمة بدفع وتشجيع تلك التّفاعلات الفوريّة العلى الخط online interactions والتى تحدث من على بعد بين الحدود البعيدة ، و بعيدة تماما عن متناول يد الحكومات .
ليس فقط لأن اللائحة الحكومية غير شرعيهّ ، بل يقولون ببساطة انهم لا يمكن ان يفعلوا ذلك، كدفاع ضدّ الرّقابة واحتراما لحرية التعبير ، وهو نقاش ومجادلة ماهره .
لولا ان جزءا كبيرا من هذا النقاش غير حقيقيّ !

فبالإضافة إلى اِسْتِخْدَام يد حديديّة فى التحكم فيما يعرضة الإنترنت ,فأن الأمم المتسلّطة أخذت بشكل متزايد تتبنّى لمسة سيلكون ماكرة أكثر لكي تتحكّم فيما يمكن أن يقرأه مواطنوهم أو يسمعوه من تلك التّفاعلات الفوريّة العلى الخط فى الإنترنت ، من خلال برامج الفلترة وبرامج المرشحات وبروتوكولات الأتصالات التى تعتمد على أختيار نطاقات اتصال معينة ، كل هذة اللمسات الإليكترونية تعاير محتويات الإنترنت وتضع عليها بطاقات الصلاحية او عدم الصلاحية لتكون هناك إنترنت مرضى عنها من قبل الحكومات المتسلطة ، وهذا يجعل الرّقابة الآن أسهل كثيرا من الرقابة في العصر قبل الرقمى .
فبدلاً من مصادرة الكتب والنشرات سرا كما يحدث عادة فى معرض الكتاب بالقاهرة, فالحكومات فى العصر الرقمى يمكنها ببساطة فرض رقابة على كل اتصالات الإنترنت عبر بوابة إليكترونية تعرف باسم (Proxy Server) وهي برامج خاصة تعترض سبيل المعلومات من بين المصدر والمستقبل لغربلتها ومنع استقبال مواد معينة .
تعمل هذه البوابات القويّة كمناخل حديثة , وتمنع أيضا الهجوم الإليكتروني على مواقعها ، لأن الإنترنت اليوم أصبحت إحدى الوسائل الجديدة فى الصراعات السياسية التى تدور فى عالمنا المعاصر ، ونشر فى نيويورك تايمز ، واذاعت CNN ان الصين تستعمل تلك البوابات الإليكترونية المغربلة لمنع الكثير من صفقات البضائع الاجنبية التى تسعى المواقع المعارضة والمنشقة إلى دخولها الاراضى الصينية , أحيانًا، و سنغافورة فرضت على شركات خدمات إنترنت أستعمال برامج الفلترة والمرشحات التكنولوجيه لمنع مواقع معينة للبورنوجرافك (الصور والافلام الإباحية) . ورغم ذلك بالطّبع هناك دائما طرقا للتّهرّب من مثل هذه المكايد الإليكترونية ، وتنجح فى تجنب البوابات المغربلة , لكنّ النظم المتسلّطة مع زيادة التدفّق الحرّ للكلام عبر الإنترنت ، وأنتشار الحرية الرّقميّة مستبعد تماما ان تستسلم بسهولة ، والا ستفقد اهم صفة تميزها وهى التسلط .

حتى فى دول غربية ليبرالية وضعت لوائح للإنترنت تقاضى بها المتبلدين وفاقدى الإحساس والحياء ، في 1997 , على سبيل المثال , حكومة بافاريا فى المانيّا حاكمت فيلكس سوم , الرئيس المحلّيّ لشبكة لكومبسيرف للخدمة الفوريهّ online service Compuserve, لأنّ واحد من المشتركين فى شبكة كومبسيرف استعملها للحصول على موادّ إباحيّة غير قانونيّة ، على الرغم من شبكة كومبسيرف لم تنتج تلك الموادّ الإباحية ، و رئيسها وموظفيها لا يستطيعون معرفة من يستعمل الشبكة للحصول على تلك المواد . ومع ذلك وجهت تهمة لفيلكس سوم بالاتّجار في الأدب المكشوف . والولايات المتّحدة فرضت قيودا شديدة على تطوير وتصدير ادوات التشفير ، وفى أواخر عام 1996 , صنفت إدارة كلينتون أدوات التشفير والتكويد وفلاتر المعلومات كنوعا جديدا من الاسلحة ، واعتبرت انتاجها نوعا من إنتاج عتاد الحرب , واعتبرت تصدي او حمل تلك الأدوات من بلد لأخرى جريمة يعاقب عليها القانون . وقد حاولت واشنطون أيضًا , مع نجاح أقلّ , التحكم فى الموادّ الجنسيّة عبر التفاعلات الفورية فى الشبكة . ففي عام 1997 , المحكمة العليا هناك اصدرت قانون أدب الاتّصالات , لتقييد الكلام الغامض جدًا والفاحش عبر الويب لدرجة أن الشّخص الذي يضبط بنشر القبح عبر الشبكة سواء بالكلام او نشر مواد جنسية كان يمكن أنّ يسجن .

الحكومات العربية والإنترنت
من التقارير الأخيرة لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان ، واعتمادا على التقارير التى تصدرها الـ BBC و CNN ومعهد بانوس فى لندن حول استخدام الانترنت فى العالم تبين ان المنطقة العربية تعاملت مع الانترنت بعقلية محاكم التفتيش حيث المصادرة والمراقبة والمنع ، ففى السعودية كمثال أصبحت الإنترنت متاحة للجمهور في ديسمبر 1998 بعد إضافة وسائل تقنية تسمح باستبعاد المواد التي تعتبرها السلطات ذات خطورة على أمن البلاد أو الأخلاقيات العامة. وتم تبرير ذلك رسميا بإن "الحكومة السعودية من حقها حماية مجتمعها. و لا تريد أن نفتح الباب على مصراعيه بل تختار المادة المناسبة ، ومنذ سنتين أغلقت السعودية موقع "نوادي ياهو" والذي كان يضم نحو 250 نادياً سعودياً يزيد عدد أعضائها على 60 ألف عضو. تحت مزاعم أن معظم المواد كانت تنافي القيم الدينية والاجتماعية والسياسية للمملكة". و فى نفس الفترة أغلقت الحكومة السعودية مقهى للإنترنت في مكَّة كان يرتاده الكثيرون من طلاب الجامعة. ووفقاً لما روته هيئة الإذاعة البريطانية نقلاً عن صحيفة "أراب نيوز"، كان سبب ذلك الإجراء هو الدعوى التي رُفعت في إحدى المحاكم وذكرت أن مقهى الإنترنت الخاص بالنساء فقط كان يُستخدم في "أغراض لا أخلاقية، ولوحظ أنّ أنباء الجزيرة العربية هم الأكثر تفاعلاً واستفادةً من شبكة الانترنت، فلا تكاد منطقة أو مدينة أو قرية إلاّ وقامت باعداد موقع لها تاركة وراءها إعلامها الرسمى دون إكتراث، لذلك صدرت هناك عدة قرارات صارمة بذهنية بوليسية، تجعلنا نضحك حتى البكاء، فلنقرأ بعض من هذه القرارات:

1-يلتزم كل مستخدمي الانترنت بالامتناع عن نشر المعلومات التي تحتوي على كل ما يخالف الدولة أو نظامها وكل ما يمس كرامة رؤساء الدول أو رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين بالمملكة. كما يمنع نشر التقارير والأخبار التي لها مساس بسلامة القوات المسلحة

كما يمنع نشر الانظمة والاتفاقيات والمعاهدات ، كما يمنع نشر ما ينسب إلى المسؤولين في الدولة أو في المؤسسات أو الهيئات" فهذه القرارات بدرجة من الوضوح الذي لا تتحاج إلى تعليق .

2-يقوم مقدمو خدمة الانترنت بتجديد صلاحية الدخول على الانترنت …..
وربط ذلك ببرامج متابعة وتدقيق تقوم بتسجيل الفترة الزمنية للاستخدام والعناوين التي تم الوصول إليها أو محاولة الوصول منها أو إليها وأحجام الملفات وانواعها"! وهكذا مراقبة إليكترونية لجميع مستخدمى الأنترنت لمعرفة نواياهم ، ومطاردتهم فى المواقع التى يذهبون لها ، وتحديد العناوين التي يحاول الفرد الوصول إليها، ومعرفة الملفات وأحجامها التي حُملت من الموقع!!

3- "يقوم مقدمو الخدمة بإعداد سجل وثائقي يدوي والكتروني يشتمل على معلومات شاملة عن المستفيدين النهائيين وعناوينهم وأرقام هواتفهم وأغراض الاستخدام وأرقام الحسابات الخاصة بالدخول على الانترنت وتزويد الجهات الأمنية بنسخة منها إذا لزم لأمر". اعتقد اننا لا نحتاج اى تعليق على تلك القرارات .

المجتمع يوظف التكنولوجيا وفقا لخصائصة !
بعد هذة البانوراما السريعة ، تبددت تماما الأوهام التى كان يتصورها الكثيرون مع بدايات الإنترنت ، بعدم قدرة اى حكومة او سلطة منع أى فرد من الوصول لأى موقع فى الإنترنت ، ونزعم هنا ان الموضوع ليس الإنترنت كتكنولوجيا جديدة ، بل الموضوع خصائص المجتمع نفسه على المستوى الثقافى والاجتماعى والاقتصادى وقبل كل ذلك خصائصة السياسية ، فعندما يسيطر على اى مجتمع القهر السياسى ، والتخلف الأجتماعى ، والجمود الثقافى ، والفقر الأقتصادى ، ورجعية الفكر ، ما الذى يمكن تفعله الإنترنت فى هذا المجتمع ؟! لذلك حاول العالم فى اوائل التسعينات ، و فى معهد أسين بواشنطن ، حاولوا التوصل 'إلى وثيقة دوليه تتبنها الحكومات حول الحقوق والواجبات المتعلقة بالمعلومات ، وجاءت مبادىء الوثيقة نتيجة مناقشات وابحاث لخبراء من مناطق العالم ، وكان اول مبدأ هو حق الوصول والنفاذ إلى المعلومات الذكية ووجود بنية تحتية للأتصالات ، وتفرع عن هذا المبدأ العام عدة مبادىء فرعية تتعلق بالالتصالية وسهولة الاقتناء والإلمام بأساسيات التعامل مع الكمبيوتر .

والهدف من تلك الوثيقة ليس التحكم فى الإنترنت بل الفهم للمبادىء الضمنيه التى قد تتحكم فى استخدامتنا للموارد العظيمة للمعلومات والاتصالات التى يعح بها العالم اليوم ، وظهرت هناك أتجاهات متعددة الأول يحبذ فرض المزيد من اشكال الحماية للتصدى لسؤ الأستخدام المتوقع والمحتمل ، بينما يؤمن آخرون بأن الوسيلة الجديدة يجب ان تترك حرة لتواصل بروزها فى مناخ طبيعى ، ويرى البعض الثالث الحاجة إلى حماية المستخدم فى الوقت الذى يرى فيه البعض الرابع هذة التوجهات الاعيب للتدخلات التنظيميه ، لذلك هدفت الوثيقة لتبيان المساحات التى يتفق عليها الناس على أمكانية تطبيق هذة المبادىء ثم تترك للمجتمع والافراد حرية تحديد أفضل الطرق لتطبيقها ، فمثلا مبدأ المواطنة فان المشاركة الأخلاقية فى مجتمع المعلومات تفترض اولا أن الافراد يتحلون بالمسئولية وثانيا الاستفادة من أنظمة وخدمات المعلومات والأتصالات بالطرق التى تتسق والصالح العام ، وثالثا إقامة واستخدام أنظمة المعلومات والنفاذ إليها بالطرق التى لا تتسبب فى إلحاق الضرر بهذه النظم ومستخدميها ورابعا ان نكون مشاركين معلوماتيين فى المجتمع وخامسا الصدق والكشف الأمين للمعلومات فى إطار حماية الخصوصية الفردية والمؤسستيه وسادسا الأشارة إلى المؤلف حينما تدعو الحاجة اتساقا مع الاعراف والتزامات التعاقدات وسابعا احترام حقوق الآخرين فى الاختلاف عن راى الجماعة .

ففى كل حالة سابقة تختلف طريقة التطبيق من مجتمع للآخر .
فمعظم المجتمعات تفرض عقوبات قانونيه على إتلاف الممتلكات ولكن لا يوجد مجتمع من المحتمل ان يجرم شخصا لكونه غير مشارك معلوماتيا . ويزداد الموقف صعوبة فى دول الجنوب حيث يتعمق فقر المعلومات عندما تضع بعض الحكومات رقابة على التدفق الحر للمعلومات عبر شبكة الأنترنت التى تمنح مستخدميها قدرات هائلة لممارسة حقهم في التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونشرها بغض النظر عن الحدود الدولية.

ولذا، بات من اللازم توفير الحماية الكاملة للاتصالات المباشرة بموجب الضمانات الدولية التي تكفل الحق في حرية التعبير ، لأن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ وهي تؤلف منظومة كلية من الخطر المساس بجزئية منها ، فهي القيم الجوهرية التي نؤكد من خلالها أننا مجتمع إنساني ، فالحق في حرية الرأي والتعبير وتدفق الأتصالات والمعلومات علي قدم المساواة مع الحقوق الأخرى للإنسان ، لذلك العالم حولنا يناقش منذ سنوات تقنين حرية وصول المعلومات ، وحماية حقوق المؤلفين وضمانات الاستقلال لناشري الخدمات الإلكترونية ، وحرية التعبير عبر الشبكة ، والتحكم الفعلي علي ممارسة الاتصال ، وتحديد قواعد المنافسة ، وشروط النفاذ إلي شبكات الاتصال القومية ، ونظام التسعير للمنتجات المعلوماتية ، وتحديد مقاييس الأشكال الجديدة للملكية الثقافية والفكرية ، والحفاظ علي سرية المعلومات ، ومدي التدخل الحكومي ، وكلها قضايا يجب ايضا أن تطرح للمناقشة بجدية فى منطقتنا العربية . إن حماية الحق في حرية التعبير عبر شبكة الإنترنت لا يحتاج فقط وضع سياسات خاصة بهذه الشبكة تحترم حقوق الإنسان، بل يحتم أيضاً إيجاد بيئة تكفل حماية حرية التعبير بوجه عام. فالقيود التي تعاني منها شبكة الإنترنت في كثير من البلدان العربية لا تنبع من اللوائح التي تنظم استخدامها بقدر ما هي نابعة من قوانين الصحافة والنشر والقوانين الخاصة بالتشهير، والمحاذير غير الرسمية السابقة على دخول الشبكة إلى المنطقة. ويشمل الحق في حرية التعبير الحق في الاتصال المباشر عبر شبكة الإنترنت، والحق في طلب المعلومات وتلقيها وتداولها عبر الشبكة دون قيود تعسفية، والحق في التخاطب مع الغير عبر الشبكة سواء بصورة سرية أم بدون الكشف عن الأسماء.

وينبغي ايضا أن تتخذ الحكومات التدابير المناسبة لتيسير سبل الانتفاع بوسائل الاتصال الإلكترونية أمام مواطنيها بتكلفة في متناولهم جميعاً دون أي تمييز ، و يجب أن تقع على عاتق المستخدمين النهائيين للإنترنت وحدهم مسؤولية تحديد ما يرغبون في حجبه أو غربلته من المواد التي يستقبلونها هم أو أطفالهم عبر الإنترنت، واختيار الوسائل التي تحقق ذلك .

المصدر :
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=24137

[email protected]
الحوار المتمدن - العدد: 971 - 2004 / 9 / 29