skip to content

يوميات مراسل صحفي في دولة مستبدة

بقلم : هويدا طه *
القصة الكاملة لما أثير حول فيلم الجزيرة الوثائقي "وراء الشمس" الذي يتناول "التعذيب في أقسام الشرطة المصرية" " القضية رقم 11 حصر أمن دولة عليا "

** لو أني كلبٌ.. لاعترتني حَمِيةٌ ........ لجَروي.. أن يلقى كما لقي الإنسُ
أبو العلاء المعري

الفردُ في بلادنا...
مواطنٌ.. أو سلطانْ
ليس لدينا إنسانْ
أحمد مطر

مقدمة لابد منها
** لا مفر من كتابتها بضمير المتكلم.. تفاصيل تلك الأحداث.. التي أدت إلى منحي لقب (المتهمة) من قـِبل الدولة المصرية في (القضية رقم 11 لعام 2007 حصر أمن دولة عليا) كما حدد رقمها وهويتها.. نص محضر إعلامي بالموعد الذي حددته النيابة لبدء التحقيق معي.. نعم.. أتحسس كثيرا من أن أصبح (أنا) محورا لتلك القصة.. ذلك أن ضمير المتكلم سيعني للوهلة الأولى أنني أروي (تجربتي).. تجربة خاصة.. ربما لا ينبغي أن أشغل بها الآخرين.. لكن.. وإن رويت تفاصيل ما دار معي بالذات في حدث بعينه...فإن كل متابع للشأن المصري سوف يدرك على الفور أنه لا القضية ولا الاتهام ولا التجربة وإن ارتبطت باسمي.. هي محنة (خاصة) بشخص المتكلم.. فعندما تقوم دولة تدعي أنها ديمقراطية بعملية (تفخيخ) لمواطن.. إما من باب الانتقام منه لأنه يمتلك (حلما آخر) غير الكابوس الدائم ليلا ونهارا على أرض.. تحكمها تلك الدولة ويهيم فيها ذلك المواطن.. أو من باب استغلاله كقربان.. للخروج من مأزق تعيشه هذه الدولة بسبب فساد القائمين عليها.. فإن الأمر لا يكون أبدا.. مجرد محنة خاصة، إنه هنا حلقة.. حلقة في سلسلة مواجهة بدأت في مصر منذ فترة.. بين دولة مستبدة.. ومواطن - أيا كان اسمه - لا يزيد حلمه عن مجرد التطلع لأن يحيا كما خلقه الله في البدء.. إنسان.. ** هكذا إذن.. فخخت لي الدولة.. أو أمن الدولة.. أو بوليس الدولة.. لتقدمني قربانا لحل عقدتها المزمنة مع مواطنيها.. أما كيف فخخت فهذه هي القصة.. أو التجربة الخاصة.. أو قل.. المحنة العامة في مصر..

كيف بدأت فكرة فيلم "وراء الشمس" ** أعمل في قناة الجزيرة معدة ومنتجة للبرامج الوثائقية.. بدأت بوظائف صغيرة عند إنطلاق القناة.. وعندما شرعت في إنتاج البرامج كانت لي في البدء سلسلة من البرامج القصيرة باسم (رقم وقضية)، وأخرى باسم (كـُنْ معهم) تتناول نشاط بعض الجمعيات الأهلية في العالم العربي.. ثم شرعت في الإعداد لسلسلة أخرى مختلفة.. هي برامج وثائقية طويلة أو ما يسمى أحيانا أفلام تسجيلية.. وأحيانا أخرى تحقيقات صحفية، تتناول سلسلة التحقيقات الصحفية تلك قضايا (حقوق الإنسان العربي)، وقمت بترشيح أبرز قضايا حقوق الإنسان التي يرزح المواطن العربي تحت وطأة انتهاك الدول لها.. بطبيعة الحال رشحت عدة بلدان عربية - من بينها مصر طبعا - لعمل تلك التحقيقات بها، وبطبيعة الحال أيضا شرعت في الإعداد للحلقة الأولى عن مصر واخترت أبرز قضية حقوقية تغلي في مصر.. وهي ما تقول المنظمات الحقوقية المصرية (والدولية كذلك) إنه تفش ٍ لظاهرة تعذيب المواطنين- حتى الموت أحيانا- في أقسام الشرطة المصرية.. ** الجزيرة وافقت على الفكرة مع الإلحاح المستمر الذي تمارسه على كل صحفي يعمل بها.. أن يلتزم بالقاعدة الذهبية للقناة وهي (الرأي والرأي الآخر) ، أحد عوامل نجاح تلك القناة هي أنها تترك للصحفي - خاصة في البرامج- حرية اختيار الأسلوب الذي يعالج به موضوعه (على أن) يلتزم بمعايير القناة الفنية- المتمثلة في جودة الصورة وغير ذلك من المعايير الفنية- والتحريرية المتمثلة في (التوازن وحضور الرأي والرأي الآخر).. دائما الرأي والرأي الآخر.. هاجس الجزيرة

** بطبيعة الحال أيضا.. الموضوع الذي اخترته للحالة المصرية هو موضوع شائك.. موضوع يتعلق بمنظومة الأمن المعقدة في مصر.. موضوع يصعب على الأرض أو في الميدان التحقيق فيه صحفيا والقيام بعمليات تصوير وتسجيل.. دون أن تزمجر الدولة أو يكشر الأمن عن أنيابه، عادة تستخرج تصريحات التصوير الرسمية من هيئة تسمى (المركز الصحفي) تختص بمنح تصاريح التصوير للفضائيات غير المصرية، وتلك الهيئة هي التي استخرجت منها سابقا تصريح التصوير لبرنامج (كـُنْ معهم) عندما أعددت حلقات عن جمعيات أهلية مصرية، وكنت عندما ذهبت لذلك المركز الصحفي ذات يوم لأسأل عن سبب تأخر التصريح قالت لي الموظفة إن التأخير يحدث بسبب أنهم (لابد أن يحصلوا على موافقة وزارة الداخلية أولا) قبل منحي التصريح.. ولسبب ما.. اختزنت رد الموظفة هذا في نفسي..

بداية الاتصال بوزارة الداخلية
** بسبب هاجس (الرأي والرأي الآخر) قدرت أن تحقيقا صحفيا حول الشرطة المصرية لابد له من رد مسئول أمني على شكاوى المواطنين.. لذلك قررت أن أطرح الموضوع برمته وبشكل مباشر على وزارة الداخلية.. آملة أن أجد من بينهم عاقلا يدرك أن ردهم ضروري في برنامج كهذا.. وقمت بتجهيز طرحي قبل أن التقي أول من التقيت منهم فيما بعد.. وللحق كنت صادقة تماما في هذا الطرح.. حيث قلت لهم (مش عايزة أعمل حاجة من ورا ظهر الأجهزة الأمنية).. في شهر يوليو من العام الماضي بحثت عن أرقام هواتف مكتب وزير الداخلية حتى حصلت عليها.. وبالبحث المتواصل عرفت أول اسم من تلك الأسماء التي تعاونت معي منذ البدء قبل أن تنقلب علي وعلى الجزيرة وفيلمها.. قيل لي إن إدارة الإعلام والعلاقات العامة في وزارة الداخلية هي الجهة المختصة في الداخلية بالموافقة على التعاون في فيلم كهذا.. وهي جهة يرأسها اللواء/حمدي عبد الكريم.. الذي لم ألتق معه وجها لوجه حتى اللحظة منذ بدأت اتصالاتي مع تلك الإدارة ** ازددت تفاؤلا بسبب اللهجة المهذبة الرقيقة.. التي كنت ألمسها في ردود من يجيبني في اتصالاتي التليفونية مع تلك الإدارة.. فلأني مصرية ومثلي كمثل كل المصريين.. نختزن في وعينا الباطن والظاهر صورة عن رجال الأمن الكبار.. يبدو فيها رجل الأمن مكشرا دائما متعاليا متغطرسا هازئا من الصحافة متحفزا لسحق كل منتسب لها.. قلت لنفسي ربما أدرك هؤلاء الناس أن العالم انفتح كثيرا عن ذي قبل.. وأن أسلوب التعالي الذي تمنحه لهم السلطة والسطوة لم يعد يجدي مع أبرز أذرع العولمة.. الصحافة..، صحيح أنهم طلبوا اسمي وهويتي والجهة التي أعمل هذا الفيلم لحسابها وظلوا لأكثر من أسبوعين يتعاملون معي هاتفيا حول ذلك الأمر دون أن أرى أيا منهم.. لكن ذلك كله اعتبرته سلوكا مشروعا من جهة أمنية وظيفتها في مثل هكذا حال.. أن تتيقن من الأمر.. وكان ذلك (الأدب الجم) الذي يردون به على اتصالاتي الهاتفية عاملا حاسما في نمو تفاؤلي بأنهم في طريقهم إلى الموافقة.. حتى ولو بشروط يمكن التفاوض معهم بشأنها..

** بعد الكثير من الاتصالات مع تلك الإدارة.. إدارة الإعلام والعلاقات العامة في وزارة الداخلية.. رد أحدهم أخيرا بأنهم عينوا من طرفهم ضابطا منسقا يعمل معي في هذا الأمر واسمه المقدم/طارق.. ولا أذكر باقي اسمه.. وأعطوني رقم تليفونه وبدأ الاتصال معه مباشرة منذ تلك اللحظة.. ولعدة أشهر..

بداية تعاون وزارة الداخلية في إنتاج الفيلم
** في تلك الأثناء نشر بالجرائد أن دورة حول حقوق الإنسان تنظمها وزارة الداخلية لضباط الشرطة تعقد في معهد تدريب الضباط سوف تنتهي يوم الخميس 13 يوليو ، فقلت للمقدم طارق أنني أريد تصويرها قبل انتهائها لاستعمالها في الفيلم ضمن المحور الخاص بإبراز دور الشرطة.. فليس الغرض من هذا الفيلم هو تشويه الشرطي المصري وإنما إلقاء الضوء على مشكلة تتحدث عنها كل قوى المجتمع.. وأن من المهم أن نعرض بالإضافة إلى رد الشرطة على ما تتهمها به المنظمات الحقوقية أن الشرطة نفسها.. مهتمة بتدريس ضباطها مادة حقوق الإنسان.. غاب المقدم طارق عدة أيام قبل أن يعود لي بموافقة إدارته على التصوير.. وبالفعل بذل جهدا كبيرا في التنسيق لدخول فريق التصوير إلى معهد الضباط في اليوم قبل الأخير من تلك الدورة..

** عندما ذهبنا إلى معهد تدريب الضباط كان في استقبالنا اللواء/ محمود شرف.. رئيس المعهد والذي كان وعدة رجال معه غاية في الأدب والرقة والكرم مع كل أعضاء فريق التصوير.. ورحنا نتحدث لأكثر من ساعة عن تلك القضية.. قضية إساءة ضباط الشرطة للمواطن.. وكانوا يردون ذلك الاتهام عن الشرطة ويحكون عن معاناة الشرطي نفسه التي لا يدري بها أحد.. كان حديثا وديا طلبت منهم تسجيله فرفضوا.. قالوا إن (التعليمات) التي جاءتهم جاءت فقط بتصوير ضباط الشرطة في قاعة الامتحان.. الامتحان الذي يؤدونه في نهاية دورة دُرست لهم فيها مواد تتعلق بحقوق الإنسان..

** صورنا الضباط وهم يؤدون الامتحان وكنت أقف في وسط القاعة أشير للمصور بأخذ هذه اللقطة أو تلك وكان يقف معي اللواء/ محمود شرف ويدور معي خطوة بخطوة، كانت القاعة في الدور الرابع تقريبا.. بعدها نزلنا إلى قاعة المكتبة وطلبت من اللواء محمود شرف أن نصور الضباط وهم في المكتبة فرفض، قال إن (التعليمات) أن نصور مكتبة حقوق الإنسان دون أن يظهر بها أي ضابط!.. دهشت لهذا الأمر وقلت للواء محمود شرف والمقدم طارق مازحة - وكان الجو بيننا وديا للغاية- (يعني نصور القاعة خالية من الضباط عشان نقول للناس إن المهم إن الداخلية عندها مكتبة لحقوق الإنسان بس مش مهم الضباط يقرأوها؟!) بالطبع ضحكوا وقالوا إن منظمات حقوق الإنسان تبالغ في اتهام الشرطة بانتهاك حقوق الإنسان.. وهي منظمات الله أعلم بتشتغل لحساب مين؟!

** ثم وفي نفس القاعة التي استقبلنا فيها في الدور الأرضي للمعهد.. سمحوا لنا بتسجيل لقاء مع السيد/ أشرف الدعدع وهو مندوب عن الأمم المتحدة وكان يدرس في تلك الدورة، وكذلك الدكتور أحمد شوقي أستاذ القانون الجنائي.. والذي قال في تسجيلنا معه إنه يلمس استجابة الضباط لما يطرحه عليهم من حلول تتعلق بإجراءات الضبط الجنائي ومعاملة المواطن متهما كان أو بريئا.. إلى آخره..

** في تلك القاعة كانت توجد صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك، وعندما ظهرت الصورة خلف الأستاذ الذي كنت أسجل معه اللقاء.. أوقفنا اللواء/ محمود شرف وراح يقول بصوت عال:" الله الله.. قصدكم إيه بكده.. ده مش اتفاقنا.. لا لا لا..(التعليمات) إنك تسجلي بس مع الضيفين دول مش تصوري الريس والحاجات دي.. لا لا لا لا" أوقفنا التسجيل ورحت أقنعه:(أننا نضبط الصورة فنيا ليس إلا.. بحيث لا يكون الكادر مختل الأبعاد فيكون الضيف مثلا في نصف الشاشة ونصفها الآخر فارغا.. كما أن ظهور صورة الريس يدل فقط على أن التسجيل تم في مكان رسمي.. كما سجلنا مع السيد أشرف الدعدع ووراءه علم مصر.. وهذا لا يضير في شيء.. ثم يا سيادة اللواء إيه الغلط في ظهور صورة الريس؟! ده ريسنا كلنا!" عاد اللواء والمقدم وباقي الطاقم إلى الجلوس في مقاعدهم وعاد الجو الودي من جديد.. وتم التسجيل.. الجميع ينصت للأسئلة.. وينصت للأجوبة، والجميع رافقنا إلى الفناء الخارجي للمعهد لتسجيل آخر جزء وهو فقرة أقولها أمام الكاميرا لاستخدامها فيما بعد أثناء المونتاج في التمهيد لدخول المعهد..

** كنت قد أعددت مسبقا نصا قصيرا وحفظته.. وقفت بحيث تظهر ورائي في كادر الصورة يافطة المعهد.. وكلما بدأنا التسجيل نوقفه إما لأنني نسيت تعطيش حرف الجيم مثلا.. وهي من التقاليد الحازمة في قناة الجزيرة.. أو لأن ضابطا مر فظهر في الكادر.. وكان الجو حارا فقد كنا في شهر يوليو.. توقفت وسألت اللواء/ محمود شرف.. وماذا في الأمر يا سيادة اللواء إن مر ضابط في خلفية الصورة؟ فقال إن (التعليمات) جاءت بذلك! عدت لتسجيل الفقرة.. والتي لن استعملها لأنني اكتشفت أنني نسيت خلع نظارة الشمس السوداء أثناء تسجيلها! فقد كان الارتباك والإجهاد قد بدأ يظهر على وجوه الجميع.. اللواء والمقدم وباقي الضباط المرافقين وفريق التصوير..
** شكرت المقدم طارق للمجهود الكبير الذي بذله للتنسيق مع إدارته من أجل تصوير ذلك اليوم وسلم علينا اللواء/ محمود شرف بحرارة شديدة وانصرفنا.. الطريق إلى لاظوغلي

** بدأت بعد ذلك اليوم في التسجيل مع عدد من المواطنين داخل بيوتهم أو في مقرات المنظمات الحقوقية التي تتبنى قضاياهم المرفوعة في المحاكم ضد ضباط عذبوهم.. عرفت هؤلاء المواطنين عن طريق تلك المنظمات.. وهي كلها منظمات مرخصة وقانونية.. إحدى تلك الحالات كانت عن طريق (المنظمة المصرية لحقوق الإنسان).. والأخرى كانت عن طريق (مركز النديم لعلاج وتأهيل ضحايا التعذيب).. حكوا هم وأسرهم عما عانوه من قسوة ووحشية في التعامل- والتي سوف تعرفونها بالتفصيل عند عرض الفيلم- عاودت الاتصال بالمقدم طارق لينسق لنا التسجيل مع مسئول أمني للرد على شكاوى المواطنين، فقال لي إن اللواء/ محمود الفيشاوي يريد مقابلتي في هذا الخصوص.. وحدد لي موعدا.. كانت المرة الأولى التي أدلف فيها إلى تلك المنطقة في وسط القاهرة.. التي يتجاور فيها كل من مبنى وزارة الداخلية ومبنى أمن الدولة.. لاظوغلي.. تلك المنطقة التي كلما قال مواطن مصري إنه في طريقه إليها.. يقول الآخرون.. يا ساتر..

** مثل من كانوا يردون على اتصالاتي الهاتفية الأولى في إدارة الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الداخلية.. ومثل اللواء/ محمود شرف ومثل المقدم طارق.. استقبلني اللواء محمود الفيشاوي بذات الأدب الجم! ومع فناجين القهوة المتتالية رحنا نتناقش حول قضية قسوة ضباط الشرطة وانتهاكهم للقانون في تعاملهم مع المواطنين.. راح يعرض علي الشكاوى التي تصل إلى الداخلية من مواطنين.. وراح يظهر لي وثائق تبين أنهم يتابعونها وأن تلك التجاوزات من بعض الضباط (ما هي إلا تجاوزات فردية) وعرض أمامي عدة ملفات وحدثني عن بعض ضباط .. حوكموا وسجنوا بسبب تجاوزهم.. كان رقيقا للغاية.. وكان مهذبا كريما في التعامل.. وكان يسخر مازحا من اتهامات منظمات حقوق الإنسان للشرطة، والحق أنني لمست كراهية شديدة من كل من قابلتهم في وزارة الداخلية لمنظمات حقوق الإنسان المصرية.. عبروا جميعا عن كرهم لها واستخفافهم بها.. لكن بذات الأدب الجم! قلت له "يعني يا سيادة اللواء الشعب بيفتري على الحكومة مثلا؟!" فضحك وقال:"لأ مش الشعب اللي مفتري... المنظمات دي هي المفترية"! عدت وسألته:" متى سترشح لنا مسئولا أمنيا يرد على شكاوى المواطنين من الشرطة"، فقال لي:" شكاوى إيه.. مش لما نشوفها عشان نعرف حنرد على إيه؟" قلت له:" لكن الناس دي لو جبت الشريط المسجل عليه شكاواهم ناس غلابة يا محمود بيه.. ممكن تؤذوهم مثلا لأنهم سجلوا معانا" فضحك وقال لي "ليه إنت فاكرة إننا وحوش.. ما احنا زيكم برضه.. ناس وعندنا بيوت وعيال.. لا لا لا .. متخافيش .. ده وعد مني أنا.. محدش ييجي جنبهم.. بس كمان لازم نعرف إيه الشكوى عشان اللي ارشحه للتسجيل معاك يكون عارف حيرد على إيه" بالطبع صدقته.. كيف لمثل من يتحدث بهذا الأدب الجم أن يتعامل مع هؤلاء الناس بعقلية القرون الوسطى.. كان لقاء وديا للغاية.. عدت بعده إلى مكتب قناة الجزيرة لأنسخ له نسخة من رواية الضحايا..

** في اليوم التالي عدت إليه بالشريط وأيضا كان لقاء طيبا.. وخرجت من عنده كي أنتظر اتصال المقدم طارق ليحدد لي موعد التسجيل واسم من رشحته إدارته للتسجيل معه كمسئول أمني يرد على شكاوى الناس.. وكلما اتصلت به استحثه قائلة له إن موعد عودتي للدوحة يقترب وأريد عمل ترتيبات فريق التصوير اللازمة لذلك اللقاء المأمول.. يقول لي " والله لسه يا مدام هويدا مفيش رد.. مجرد ما يقولولي علطول حاتصل بيكي ونرتبها إنشاء الله"..

** ذات يوم اتصلت بالمقدم طارق.. كنا في بداية الأسبوع الأخير من شهر يوليو.. قلت له إن موعد عودتي يقترب وما زلت في انتظار مرشح إدارتكم للتسجيل معه.. فقال لي.. إنت إمتى حترجعي القاهرة تاني؟ قلت له ربما في يناير.. فقال لي:" أظن من الأفضل نؤجل حكاية مرشح الإدارة للرد لحين رجوعك مرة أخرى للقاهرة.. أصل بصراحة هم دلوقتي مشغولين في حركة التنقلات والترقيات ومحدش فايق يسجل معاك" قلت له:"طيب أسافر يعني واتصل بك قبل نزولي القاهرة في شهر يناير؟" فرد بالإيجاب.. شكرته وأبلغته أنني سأسافر يوم 24 يوليو.. شكرته بصدق لأنه كان لطيفا متعاونا طوال ذلك الشهر الذي قضيته (رايحة جاية) على الداخلية - أو فخ الداخلية - التي كان يتحدث كل المتعاملين منها معي.. بأدب جم! أدب لم يألفه المواطن المصري من العسكر على مر القرون.. ** سافرت إلى الدوحة ومعي تسجيلات دورة حقوق الإنسان في معهد تدريب الضباط ومعي تسجيلات المواطنين الذين أعطيت نسخة منها للواء/ محمود الفيشاوي (عشان يعرف هو حيرد على إيه) كما قال.. ولم ألق أية مشاكل أو متاعب في المطار.. وكانت هذه هي نهاية المرحلة الأولى من الإعداد للفيلم.. والتي تمت بتعاون كامل من وزارة الداخلية المصرية.. تعاون مثبت بالصوت والصورة..
*** ==================================== ***

الاتصال بالداخلية من الدوحة ** في الدوحة أنهيت إعداد برنامج الجمعيات الأهلية المصرية والقطرية.. ثم سافرت إلى المغرب وموريتانيا والبحرين ولبنان وعندما انتهيت من إعداد جميع حلقات ذلك البرنامج المسلسل القصير وبدأ بثه.. استخرجت شرائطي التي أعددتها بتعاون الداخلية وبدأت بوضع خطة العمل لذلك الفيلم وعرضتها على مدير إدارة البرامج في الجزيرة السيد عارف حجاوي الذي أقرها.. ونظر إلي.. ثم عبر عن إعجابه بهذا التطور في مصر.. الذي يجعل وزارة الداخلية المصرية تتعاون- بتلك الأريحية- مع الجزيرة في إنتاجها لهذا البرنامج! وأذكر أنه قال "دي مصر يا عم.. مصر.. مش حيالله بلد"! وذكرني أن أكتب في نهاية الحلقة بعد انتهاء المونتاج كلمة شكر للداخلية المصرية على تعاونها!

** عدت للاتصال بالمقدم طارق في مصر..أبلغته بموعد سفري إلى القاهرة وقلت له أنني أآمل أن يرتب لي اللقاء المتفق عليه منذ الصيف.. فقال لي:" الملف ده بقى عند العقيد/ علاء محمود.. لأن اللواء/ محمود الفيشاوي ترك هذا المكان.. وياريت بس يا مدام هويدا تبعتي فاكس بكتاب رسمي باسم اللواء/ حمدي عبد الكريم مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الداخلية توضحي فيه المطلوب بالضبط.." ثم أعطاني رقم الفاكس.. فقلت له:" طيب بعد إرساله سأتصل بك للتأكد أنه وصل"، بعد أن اتفقنا على هذا الأمر.. توجهت إلى مدير إدارة البرامج السيد/ عارف حجاوي وقلت له على ما دار بيني وبين المقدم طارق.. فكتب رسالة إلى اللواء/ حمدي عبد الكريم مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الداخلية المصرية.. كان الكتاب يوجه شكر قناة الجزيرة إلى السيد اللواء وإدارته على تعاونها (في المرحلة الأولى من إعداد البرنامج) ويعبر عن أمله أن تتعاون إدارته الكريمة في المرحلة الثانية مع السيدة/ هويدا طه معدة البرنامج، وكان الكتاب مختوما بخاتم الجزيرة وموقعا من مدير إدارة البرامج ومكتوبا على الأوراق الرسمية للقناة..

** قبل سفري كتبت على جهاز الكمبيوتر الخاص بي التصور المبدئي للبرنامج.. أعطيته اسم (وراء الشمس) لأن تلك العبارة هي عبارة مصرية شعبية شهيرة.. تقال عند وصف حال من يقع من أفراد الشعب في يد الأمن.. فنقول( راح ورا الشمس).. أعددت كذلك على الكمبيوتر المحمول الخاص بي هوية الشخصيات التي أنوي التسجيل معها.. وراعيت أن أضم فيها أسماء تعبر عن كافة أطياف المجتمع المدني المصري.. كانت خطة كتبتها في جدول وضعت فيه:( طبيب نفسي.. عالم اجتماع.. صحفي من المعارضة.. صحفي من المدافعين عن الحكومة.. حقوقي.. شرطي سابق.. محامون.. ناشط من ناشطي المدونات على الإنترنت.. عضو من مجلس الشعب.. قاض.. مواطنون عاديون) إضافة إلى (مسؤول أمني حالي) بحسب الاتفاق مع الداخلية المصرية، لم أحدد أسماء بعينها.. فقط وضعت إطارا عاما.. ليبدأ البحث عن الأسماء عند وصولي إلى مصر.. وفي مصر بدأت الجولة الشاقة للبحث عمن يوافق على التسجيل ومن تتفق ظروفه ومواعيد التصوير.. إلى غير ذلك من مشقة تجميع المادة المطلوبة قبل العودة إلى الدوحة وبدء جولة أخرى شاقة هي جولة المونتاج.. ، ولأن هذا الكمبيوتر المحمول هو ملكي الخاص وليس ملكا للقناة.. فقد كنت أحفظ عليه أيضا جميع مقالاتي التي نشرت في القدس العربي خلال السنتين أو الثلاث سنوات الماضية.. وعليه كذلك بدايات مشروعي الأول في عالم الرواية.. وعليه كذلك مواد بحثية تخص موضوعات عديدة تاريخية وأدبية وحقوقية وسياسية وفنية وأيضا تصورات مستقبلية لبرامج وأفلام أنوي العمل عليها وغير ذلك.. إضافة إلى أشياء خاصة كالرسائل المتبادلة بيني وبين أبنائي وزوجي.. وصور لأفراد أسرتي.. وأشياء من هذا القبيل.. سافرت إلى القاهرة حيث كان مكتب الجزيرة بالقاهرة قد استخرج لي التصريح الروتيني (بدخول خمسين شريطا خام).. وصلت إلى القاهرة يوم 7/12/2006 وبدأت عملي مباشرة .. وكان أول عملي بالطبع هو الاتصال بالعقيد علاء محمود..

المرحلة الثانية من التعاون مع الداخلية
** بدوره حدد لي العقيد علاء محمود موعدا للقائه في لاظوغلي.. وعندما التقيته لم ينقص أبدا عن سابقيه- بل زاد- في التعامل بذات الأدب الجم إياه! كان يضع أمامه على مكتبه نسخة من الفاكس الذي أرسلته الجزيرة بتاريخ 27/11/2006 تشكر فيه الداخلية على تعاونها في المرحلة الأولى وترجو التعاون في المرحلة الثانية.. راح يناقشني في نقاط الفاكس ومن ضمنها أننا طلبنا السماح لنا بتصوير بعض أقسام الشرطة التي يرشحونها هم لنا.. وكان الهدف من ذلك هو عرض الضغط الذي يتعرض له ضابط الشرطة يوميا.. راح يناقشني في كل ذلك ثم قال لي:"إذا جاءت الموافقة من جهات أعلى سنرتب لك ما تريديه.. بس تيجي الموافقة" فقلت له" طيب واللقاء مع المسؤول الأمني للرد على الشكاوى" فقال لي:" آه.. أنا سمعت عن الشريط اللي اعطيتيه للواء الفيشاوي بس الحقيقة مشفتهوش.. لكن انشاء الله لما تيجي الموافقة معنديش مشكلة.. وانا حاتصل بك قريبا أقولك عن موعد التصوير ومع من حيكون التسجيل"، خرجت من مكتب العقيد علاء محمود وكانت معي مساعدتي وأنا في انتظار اتصاله الذي وعد به.. ** ظللت طوال الأيام التالية اتصل بالعقيد علاء محمود كل يوم تقريبا.. وفي كل اتصال أعتذر له عن إلحاحي المستمر عليه وأعبر له عن تقديري لحجم مشاغله ثم أطلب تحديدا لموعد التسجيل للقاء.. تمت الموافقة المبدئية عليه أصلا منذ الصيف الماضي.. وفي كل مرة يقول نفس العبارة:" أوعدك حاتصل بك".. وكانت هذه هي العبارة التي اسمعها منه في كل مرة..

بداية التعامل مع أمن الدولة
** ذات ليلة جاءني اتصال بعد الثانية عشر من منتصف الليل بينما كنت في غرفتي بالأوتيل الذي أقيم به في شارع رمسيس (فأنا من الإسكندرية وإقامتي في القاهرة تكون دائما في فنادق).. كانت مكالمة قصيرة.. قال فيها الطرف الآخر (بأدب جم):" مساء الخير مدام هويدا .. معاكي الرائد محمد حامد من أمن الدولة في لاظوغلي".. أهلا وسهلا تحت أمرك " ياريت تشرفينا بالزيارة هنا في أمن الدولة في لاظوغلي بكره الصبح" خير.. فيه حاجة؟ " لا أبدا.. بس عايزين نتناقش معاكي في موضوع البرتامج اللي بتعمليه.. يناسبك الساعة كام؟" الساعة 12 كويس؟.. "كويس جدا.. احنا في انتظارك عارفة فين؟" كنت حتى هذه اللحظة أظن أن الداخلية وأمن الدولة في مبنى واحد لكنه شرح لي كيف أذهب إلى بوابة أمن الدولة.. الموجودة بالشارع المجاور لشارع الشيخ ريحاني وهو الشارع الذي تقع فيه بوابة الداخلية.. وكلاهما في منطقة ارتبط اسمها بهذين الجهازين اللذين يرعبان المواطن المصري بلا مبرر.. منطقة لاظوغلي..

** توقعت (بسبب فخ هذا الأدب الجم الذي رافقني في رحلتي معهم!) أنهم على وشك أن يرشحوا مسئولا أمنيا للتسجيل معه.. وأن هذا الاتصال الليلي العجيب هو ربما بسبب طبيعة عملهم.. التي غالبا ما تكون نشطة ليلا.. باردة خاملة نهارا! لكنني تساءلت بيني وبين نفسي سؤالا ظننته حينها (ساذجا).. قلت لنفسي.. طالما الداخلية أصلا عينت لي منسقا من طرفها أنسق معه.. ما دخل ضباط أمن الدولة؟ لكنني اكتفيت حينها بهز كتفي وقلت.. أمن دولة عليا أمن دولة سفلى المهم تنتهي هذه المشقة.. كان العمل يبدأ صباحا وينتهي أحيانا عند الثانية بعد منتصف الليل.. كنت أحلم بانتهاء مرحلة التصوير الشاقة حتى أتخلص من ازدحام القاهرة الذي يتلف الأعصاب ويسلب ثروة لدى البشر اسمها الوقت.. أحلم بالانتهاء من كل ذلك لأنام بعمق لعدة أيام قبل بدء المونتاج.. كنت أحلم.. دائما نحمل على أكتافنا أحلامنا.. حتى ولو كانت أحلاما صغيرة..

** في اليوم التالي توجهت لمبنى أمن الدولة.. في المدخل أخذ الحراس هاتفي وقاموا بملء بطاقة ببضع بيانات عني ثم طلبوا مني الانتظار قليلا.. بعد حوالي خمسة عشر دقيقة قالوا اتفضلي في الدور الثاني (أو الثالث على ما أذكر).. هناك وجدت بابا يفتح قبل أن أطرقه.. ووجدت شخصين عرفاني بنفسيهما.. الرائد محمد حامد والمقدم شريف خير الدين.. كانا شابين في الثلاثينات من العمر تقريبا.. ودار بين ثلاثتنا حوار ونقاش استمر لأكثر من أربعين دقيقة تقريبا.. كان يتصدر المكتب المقدم شريف خير الدين، بينما أجلس أنا على أريكة طويلة في مواجهة المكتب وعلى يساري يجلس الرائد محمد حامد على مقعد أمام المكتب.. ويمسك بأوراق وقلم رصاص .. كان يسجل به حوارنا أو نقاطا مما أقول.. لاحظت ذلك فبدأت أعطيه المعلومات بشكل منظم.. ليس عندي ما أخفيه.. بعد عودتي من هذا اللقاء.. ولسبب ما .. سجلت في أوراقي أغلب ما دار.. سجلته ربما لأنني كاتبة.. والكاتب لا يفوت تسجيل أشياء من شأن الذاكرة الإنسانية أن تسقطها مع الوقت.. لا أدري حقا لماذا سجلتها.. ولكنني .. سجلتها..

** ما دار بيني وبينهما كان يدور في صيغة أسئلة أرد عليها.. لكنها أسئلة تصاغ بصورة ودية.. مع الضحك والنكات أحيانا.. وغمز ولمز في أحيان أخرى لكن بوّد.. عرض علي المقدم شريف خير الدين من سجائره.. طلب لي القهوة أكثر من مرة.. حتى هذه اللحظة لم يدر بخلدي ولو لمرة واحدة أنني بدأت أخطو دون أن أدري في (سكة حمل لقب متهمة)! كانا متعاونين.. مرحبين بالعمل وبطبيعة الحال مدافعين عن الشرطة ضد ما يسمى بمنظمات حقوق الإنسان الموجهة إلى آخره.. وبدا ذلك لي مقبولا في إطار التوقع العام بأن كل رجل أمن في العالم وليس في مصر فقط ربما.. أقول ربما.. يكره منظمات حقوق الإنسان! في لحظة صمت بعد أن اكتشفت أنهم يعرفون عني بضع أشياء لم أقلها في حوارنا.. نظرت إليهما ودار في ذهني سؤال سرعان ما استخففت به أمام ذلك (الأدب الجم) قلت لنفسي.. غريبة أنهما لا هما ولا أي ممن التقيتهم قبلا لم يأت أي منهم جميعا على ذكر أي شيء يمت بصلة لما كتبته في صحيفة القدس العربي عن النظام المصري على مدى أكثر من ست سنوات.. عن الثورة.. عن الحلم بالتغيير.. عن المواطن المصري المسحوق.. عن مصر التي صارت بسبب ذلك النظام على درجة بين الدول أقل كثيرا مما تستحق.. أليس ذلك غريبا؟ كل هذا الاهتمام ببرنامج تليفزيوني مدته ساعة بينما كتبت عن نظام الحكم في مصر ما لا يمكن أن تسمح الجزيرة أصلا بكلمة منه في برامجها؟ أليس ذلك غريبا؟!.. ربما يتوجسون أن يأتي البرنامج على شاكلة مقالاتي!.. ربما ينبغي علي أن ألح على توضيح أن البرنامج وإن كان سيحمل أسلوبي إلا إنه مسئولية الجهة التي تنتجه وهي الجزيرة.. والجزيرة لن تسمح بتعبيرات ثورية في برامجها.. بل هي دائما تضغط على الصحفيين من كل بلد عربي أن يلتزموا بقاعدة (الرأي والرأي الآخر) وينحون جانبا آرائهم الشخصية في نظم بلدانهم.. لكن لحظة الصمت كانت قد انتهت بخروج عامل القهوة من الغرفة.. وعدنا نتناقش وعاد الرائد محمد حامد لتسجيل النقاط.. بالقلم الرصاص..

** من تلك الأسئلة الودودة التي سجلتها بعد عودتي من رحلة لاظوغلي القصيرة.. غير الأسئلة عن مقر سكني وكم سنة مدة عملي بالجزيرة وعلاقتي بحسين عبد الغني مدير مكتب الجزيرة في القاهرة وغير ذلك.. ولم يكن أي من تلك الأسئلة يأتي بتجهم أو بغلظة أبدا.. كان سؤال: مع مين سجلتي لحد دلوقتي؟ قلت له سجلت مع طبيب نفسي.. فقط ليتحدث من ناحية الطب النفسي عن شخصية كل من المعَذب والمُعذِب وعالم اجتماع يحدثني عن موقع تلك الظاهرة بين الظواهر الاجتماعية الإنسانية وصحفي من المعارضة وباقي عندي بعض اللقاءات الأخرى لم أسجلها حتى الآن.. قال الرائد محمد حامد "مين من المعارضة إبراهيم عيسى واللا عبد الحليم قنديل" قلت له" للأسف لم استطع التسجيل مع إبراهيم عيسى لكن سجلت مع قنديل" قال" أظنه قال لك إن التعذيب في مصر ده ممنهج و..و.. إلى آخر الكلام بتاعه ده.. ماهو الكلام معليهوش جمرك" فقلت له ضاحكة" مظبوط! بس ده كلام قنديل بيقوله في الجرائد والفضائيات من عشر سنين واكتر" قال لي " دول لو في بلد تانية وقالوا اللي بيقولوه عن الشخصيات العامة كان زمانهم اتحاكموا واتسجنوا.. لكن عندنا الكلام معليهوش جمرك .. واخدين راحتهم في شتيمة المسئولين وكله كلام في كلام لا عندهم وثائق ولا أدلة ولا معلومات ولا أي حاجة.. للأسف احنا في مصر زي أي دولة عالم ثالث معندناش متحدث باسم الداخلية يرد على الناس دي.. الداخلية شايلة الهم ودول مش حاسيين بحاجة" قلت له" عشان كده انا منتظرة حد من طرف الداخلية يرد والمساحة متاحة بالكامل لكلا الطرفين في البرنامج" سألني عما أنجزته من قبل ومع من كنت أنسق، دهشت من السؤال فهم الذين طلبوني أي أنهم لديهم معلومات كاملة.. حكيت له عن المقدم طارق والتنسيق الذي تم في الصيف لتصوير معهد الضباط الذي يرأسه اللواء محمود شرف واللواء محمود الفيشاوي والشريط الذي أخذه مني ليعرف الشكاوى التي ينبغي عليه أن يرشح أحدا للرد عليها والعقيد علاء محمود الذي يعدني في كل مرة اتصل به بالاتصال بي محددا موعدا لتسجيل اللقاء ولا يتصل أبدا.. ضحك كلاهما وقال لي الرائد محمد حامد " وقاللك إيه عن موضوع إنك ناوية تعملي حلقات من دول عربية تانية" قلت له قاللي"احنا نستنى أحسن لما نشوف الجزيرة حتعمل ايه عن الدول العربية الأخرى" لكنه ربما كان ذلك رأيه الشخصي إذ أنني استمررت في الاتصال به لمعرفة موعد التسجيل وكان كل مرة كان يقول (بكره الصبح حاتصل بك) ولا يتصل أبدا.. قال الرائد محمد حامد" للأسف عيب نكون احنا مصر ونقول نستنى لما نشوف الدول التانية.. لازم الدول التانية هي اللي تقول نستنى لما نشوف مصر" وافقته على رأيه واعتبرته مؤشر تفاؤل.. كان يكتب بالقلم الرصاص.. سأل حتعملي حاجة تانية في مصر غير البرنامج ده؟" قلت له"انا فعلا قدمت في المركز الصحفي لطلب تصريح بالتصوير لقصص خفيفة منها قصة يوم في حياة صياد من الأنفوشي وقصة بائعة جبن تأتي بالجبن من قريتها لتبيعه في أسواق المدينة كل يوم.. وأنا منتظرة صدور التصريح حاليا" فسألني المقدم شريف خير الدين" طيب ليه مطلبتيش من المركز ده تصريح لبرنامجك عن الشرطة" فضحكت وقلت له" كان حيتأخر وأروح أسأل عنه يقولوا منتظرين موافقة الداخلية.. وقلت يمكن لو عُرض عليكم فكرة البرنامج كده عن طريق المركز الصحفي ميظهرش بوضوح فكرة إن البرنامج يحتوي الرأي والرأي الآخر وإنه سوف يشير إلى الدور الإيجابي كمان للشرطي المصري.. ففضلت أشرح ذلك بنفسي.. وفعلا استجابت الداخلية ووافقت وتعاونت ومش ناقص بس إلا اللقاء المتفق عليه معهم من قبل." لاحظت أنه لم يستطع كتابة موضوعات القصص الخفيفة بسرعة.. فنظرت نحو أوراقه وأعدت عليه من جديد: قصة يوم في حياة صياد ... وقصة فلاحة تبيع الجبن.. كتب ورائي وتمتم بقوله "تمام.. تمام.. تمام".. ثم رفع رأسه وتوجه بنظره نحو المقدم شريف خير الدين الجالس وراء مكتبه وقال:" آه.. يعني هي فضلت تختصر الطريق وتيجي على الداخلية علطول" ثم عاد بنظره نحوي مرددا"تمام.. تمام.. طيب إنت يا مدام هويدا باقيلك إيه بالضبط ومين تاني حتسجلي معاه" قلت له "باقيلي طبعا رد المسؤول الأمني من الداخلية وتصوير مشاهد تمثيلية طبقا لرواية المعتدى عليهم ودي طبعا تكنيك معروف ويوضع عليها صوت الراوي وهي بتتعمل أصلا طبقا لما قاله المواطن الراوي" قال:"تمام.. تمام.." قال المقدم شريف خير الدين:"طيب لو موفرناش مسؤول أمني يرد حتعملي إيه" قلت له "في الحالة دي طبعا سألجأ إلى شرطي سابق.. أو.. (وضحكت) صحفي محسوب عليكم" ضحك وقال:" لا إنشاء الله حنتعاون معك وتخلصي شغلك كله" شكرته لكنني عاودت السؤال:"طيب امتى؟" قال لي قريبا جدا ان شاء الله انتظري منا اتصال على الموبايل.. مش ده موبايلك برضه اللي اتصلت عليكي فيه امبارح"، أعدت شكرهما.. وظهر أن اللقاء انتهى.. قمت فقام كلاهما وأوصلاتي حتى الباب... به ذاته.. الأدب الجم!

بداية انقلاب الداخلية والأمن
** بعد ذلك اللقاء كان عيد الأضحى قد بات بعد أيام.. بدأت الشخصيات التي أنسق للتصوير معها تؤجل اللقاء إلى ما بعد العيد.. وبدأ عملي يتباطئ بسبب انشغال أفراد الفريق بالعيد.. الناس يفقدون حماسهم للعمل حتى قبل أن تبدأ أجازة العيد.. بدأت استشعر أن الداخلية ربما (تستثقل) أن تجري معي هذا اللقاء.. فبدأت أتحسب بالبحث عن شخصيات بديلة تأخذ موقع الشرطة في (الرأي الآخر).. قمت بالتسجيل مع ثلاث رجال كلهم برتبة (لواء سابق) هم اللواء فؤاد علام.. اللواء نبيل لوقا بباوي.. اللواء حازم حمادي.. وكلهم معروفون في لقاءاتهم السابقة على الفضائيات بتبني الموقف الرسمي للدولة المصرية.. بينما باءت بالفشل محاولاتي لتسجيل لقاء مع وزير داخلية سابق.. يكون ما زال على قيد الحياة.. حيث رفض أحدهم بينما قبل الوزير النبوي إسماعيل.. إلا إن اشتداد المرض عليه حال دون اللقاء..

** من باب الاحتياط في مهنتنا هذه.. فإن كل شريط أسجله أقوم بنسخه.. نسخت كل الشرائط التي سجلنا عليها اللقاءات وكذلك تلك التي سجلنا عليها المشاهد التمثيلية التي تحاكي رواية مواطنين سجلنا معهم قصة ما صار لهم على يد الضباط.. نسيت فقط نسخ شريط واحد وكان يحتوي اللقاء مع اللواء حازم حمادي.. وفي فترة العيد التي لا يريد أحد في مصر أن يعمل فيها قمت بنسخ شرائطي مرة أخرى.. وتوجهت إلى الإسكندرية لقضاء يومي العيد الأولين مع أسرتي.. ** في الإسكندرية بدا أن كل شيء يتغير معي.. قام عامل الجراج بتنبيه زوجي أن (مخبرين) يجلسون في المقهى المقابل للعمارة التي أسكن فيها في سموحه.. يسألون عني وعن زوجي.. وأن عيونهم لا تفارق شرفة شقتي في الدور السادس أو بوابة العمارة.. دهشت ودهش زوجي.. فرحنا نخرج إلى الشرفة من حين لآخر لنجد المساكين (كمشانين من البرد) تارة في المقهى.. وتارة في جراج العمارة المقابلة.. ثم لاحظنا أنهم يخرجون وراء سيارتي بالموتوسيكلات حينا.. وبسيارة أخرى حينا آخر.. وبقدر ما أدهشني الأمر بقدر ما أضحكني.. قلت إما أنهم سذج أو أن لديهم تعليمات بإظهار أنفسهم! وما هي إلا أيام قليلة حتى صاروا حديث عمال المقهى وحراس العمارات المجاورة وعمال الجراج والكل يقول (بيراقبوا الست دي اللي بتشتغل في الجزيرة..) بالطبع يتناقل بينهم السؤال (ليه.. هي عملت إيه .. بتعمل إيه؟)

** وفي اليوم الأخير من العيد ذهبت مع أسرتي إلى منطقة كنج مريوط وهي ضاحية على أطراف الاسكندرية لدي فيها بيت محاط بحديقة ورتبت أن أخرج صباح اليوم التالي باكرا إلى القاهرة مباشرة لاستكمال عملي وكذلك لزيارة العقيد علاء محمود لأسأله عن سبب المراقبة العجيبة..

** كنا قد تعودنا على المخبرين.. حتى أنني قلت للسائق (الناس دي كمشانة من البرد ابعتلهم ترمس شاي سخن وشوية أكواب)! وفي ذلك اليوم كانوا وراءنا حتى بداية الشارع الذي يقع فيه بيتنا في كنج مريوط.. قضينا الليلة هناك وفي الصباح الباكر خرجت وقال السائق إنه يعرف طريقا مختصرا إلى الطريق الصحراوي.. فخرجنا من طريق خلفي للمنطقة وبالتالي لم أرهم في إثر سيارتي.. لكن حتى لو كانوا.. ليس هناك ما أفعله في الخفاء..

** في اليوم التالي أبلغني زوجي هاتفيا بينما كنت في القاهرة أن حراس البيوت المجاورة لبيتنا في منطقة الكنج سألوا أناسا كانوا يقومون بالتقاط صورة لبيتي عن سبب تصويرهم هذا البيت فنهروهم وقالوا لهم" إبعدوا يا ولاد... إحنا مخابرات" بدأت إذن أخوض غمار الدهشة المتسلسلة.. وماذا يفيدهم أن يحصلوا على صورة بوابة بيت؟! ولماذا أصلا؟! لكن لنسجل هنا ملاحظة جانبية.. لماذا لم يتعامل هؤلاء المخبرون مع حراس البيوت المجاورة .. بأدب.. حتى وإن لم يكن جما؟!
*** ==================================== ***

غموض وتساؤلات بلا أجوبة
** ولأن المفترض أن التنسيق بشأن البرنامج ما زال مستمرا مع العقيد علاء محمود.. وما زلت في انتظار تسجيل لقاءهم المأمول.. اتصلت به وقلت له مندهشة:"ليه يا علاء بيه؟.. مخبرين ومراقبة.. ومماطلة.. إنتم عارفين من الأول أنا باعمل إيه وموافقين عليه وتعاونتم في البداية.. ومن اللحظة الأولى قلت لكم وقالت لكم الجزيرة في كتاب رسمي أننا لا نريد أن نقوم بشيء من ورا ضهر الأجهزة الأمنية.. ولديكم علم بكل ما أقوم به.. يبقى إيه المشكلة؟ ثم ياترى مخبرينكم كده خلقة ربنا.. واللا عندهم تعليمات يظهروا لي أنني مراقبة؟" رد العقيد علاء محمود مستغربا (أو مدعيا الاستغراب.. لا أدري) وقال:"معقولة؟! طيب إديني فرصة أعرف فيه إيه وبعدين اتصلي بكره الصبح أو أنا حاتصل بك" قلت له" لكنك كل مرة تقول حاتصل ومتتصلش.. أنا بس مش عايزة أكون ضاغطة عليك وعارفة مشاغلك بس حاتصل بكره الصبح .. بس عشان أعرف إنتم عايزين إيه؟" طبعا هو لم يتصل.. كعادته.. لكنني اتصلت.. فرد شخص ما وقال "علاء بيه في اجتماع".. وظل في هذا الاجتماع طوال النهار!

** فقط هنا بدأت أقلق.. (صحيح تأخرت في القلق بعض الشيء لكن قلقت) لكن المدهش حقا.. وكلنا بشر مهما تذاكينا.. لم يصل تفكيري حتى تلك اللحظة.. صدق أو لا تصدق.. إلى أنهم يرتبون لقضية.. وأي قضية.. قضية أمن دولة.. شيء واسع كده وكبير! كان قلقي.. صدق أو لا تصدق.. يدور حول فكرة أنهم استثقلوا فكرة أن يجدوا أنفسهم في وضع (الرد على اتهامات المنظمات الحقوقية) وأنهم يريدون (التنصل من وعدهم) بترشيح مسؤول أمني يرد على تلك الشكاوى.. حسنا.. قلت لنفسي.. الرأي الآخر موجود.. فقد سجلت مع ثلاث لواءات سابقين وكلهم تبنوا موقف الداخلية.. فلنستغنى إذن عن ذلك المسؤول..

** لكنني فوجئت بأن مباحث التهرب الضريبي طلبت زوجي وهناك قيل له إنه متهرب من دفع مبلغ ضريبي ضخم.. فضحك وقال لهم" أنا أصلا لسه راجع مصر من أشهر فقط.. لم أؤسس حتى مشروعي التجاري.. وأنتم رأيتم دكاني تحت العمارة التي أسكن فيها.. ما زلت حتى لم أضع به كهرباء.. إذا كان ده من باب المضايقات بسبب شغل مراتي.. الفندق الذي تنزل به في القاهرة معروف.. "، قال له أحدهم إن هناك (توصية ما من جهة عليا بالقاهرة) ثم اعتذروا له وتركوه..

** بعدها بأيام توجه خمس ضباط إلى شقتي بالإسكندرية.. وهذه المرة قالوا لزوجي (عليك شيك بدون رصيد) فقال لهم (طيب.. هاتوه أدفعه)! وضحك فاعتذروا له بأدب وقالوا يبدو أنه تشابه أسماء لكن أنت مضطر تيجي معانا بس عشان نصور جواز سفرك وترجع فورا.. وكان أن ذهب معهم ثم عاد ليخبرني أن واحدا ثم الثاني من إخوتي قد أخذوا أيضا إلى قسم الشرطة بسبب قضية قديمة منذ التسعينات تدعى (قضية لوحات معدنية) حيث عبر أخي الطريق ذات يوم في تسعينات القرن الماضي بينما كانت اللوحات المعدنية ساقطة من سيارته! لكن المحامي توجه إلى القسم وأخرجه ببساطة..

** تساءلت.. هذا شيء عجيب.. لماذا يدورون حولي دون أن يقتربوا.. كل هذا مثلا من أجل الضغط علي وإخافتي حتى لا أتم هذا البرنامج؟ لكن شيء من الذكاء يكفي لأن يدركوا أن ذلك ضغط بلا طائل.. فلماذا يفعلون ذلك.. والحق أن ذكائي قصر تماما عن الوصول إلى مجرد فكرة أنهم يرتبون لي شيئا.. كل ما في الأمر أنني تصورت أنهم يضغطون حتى ألغي فكرة البرنامج من أساسه..

** كان يرافقني في رحلة هذا العمل مخرج يعمل بالجزيرة وهو أيضا سكندري.. وكانت مهمته هي إخراج المشاهد التمثيلية التي تروي تمثيلا ما يقوله ضحايا الشرطة.. وكان مخططا أن يسبقني إلى الدوحة.. وفي يوم سفره.. وقبل موعد طائرته بساعتين قابلته مساعدتي أمام باب منزله وأعطته نسخة من شرائط المشاهد التمثيلية وبعد صعوده إلى شقته اتصل وقال بصوت مرتجف:"الشرايط اختفت من إيدي مش عارف إزاي؟" اختفت؟! كيف؟! في هذه الدقيقة من باب بيتك إلى باب شقتك؟! كيف؟! لم نجد جوابا حتى اللحظة.. كان عزائي الوحيد ساعتها أن لدي منها عدة نسخ.. أمضيت الساعات الطوال ليلا ونهارا في نسخ ما أسجل.. لمثل هكذا يوم.. تختفي فيه الشرائط دون أن تعرف.. كيف!

انقطاع التنسيق مع الداخلية وأمن الدولة
** ربما هنا بدأت استشعر الخوف على شرائطي.. تلك المادة التي استغرقت مني المجهود الشاق لأيام وليال.. وتصورت أنهم بعد أن تراجعوا عن التعاون سوف يأخذون مني شرائطي.. بطريقة ما.. حتى ينهوا احتمال أن يتم عمل هذا البرنامج.. وبدأت أسترجع (الوضع الطبيعي لنفسية المواطن المصري) وهو (عدم الثقة في العسكر أبدا).. هكذا يجب أن تكون الأمور.. قلت لنفسي.. تركتهم يخدعونني بهذا (الأدب الجم) بل (الأدب المصطنع).. ما هم إلا عسكر وما أنا إلا مواطن مصري.. والعلاقة (الطبيعية) التاريخية الأزلية هي .. عدم الثقة في هؤلاء.. أبدا..، لكنني .. يا للعجب لم أتصور أبعد من هذا..! كيف يقول عني أصدقائي أن لدي عقلا رياضيا متأثرا بدراستي للهندسة.. وأن ذلك العقل الرياضي يحلل الأشياء بطريقة رياضية.. يا للخجل.. هذا العقل الرياضي لم ينتبه حتى إلى تلك المعادلة من الدرجة الأولى.. عسكر وصحافة في مصر.. كم تساوي؟!

** أبدا.. كعادته.. العقيد علاء محمود.. إما أن يقول لي"حاتصل بك" ولا يفعلها أبدا.. أو يكون في اجتماع جد خطير.. لا يخرج منه أبدا، لكنه رد ذات يوم وقلت له.. واضح أنكم تراجعتم عن فكرة ترشيح مسؤول من طرفكم للرد.. لكن عموما أنا توصلت لرجال شرطة سابقين وسجلت معهم.. الآن وقد انتهيت من التصوير.. فإنني أستعد للسفر.. فإذا أردتم معاينة ما صورت.. فإنني أؤكد لكم أنني جاهزة.. هل يمكنك ترتيب لقاء لي مع الرائد محمد حامد ليرى الشرائط قبل سفري؟ وعدني بترتيب اللقاء.. ثم قال لي" حاتصل بك"!

** لم يتصل.. فلم اتصل!! بل حاولت الاتصال بالرائد محمد حامد فلم يجب.. ليلا ونهارا.. قلت لا بأس.. لعلهم أدركوا أن ما بدأته تحت أعينهم وبعلمهم من البداية لا يعدو كونه مجرد عمل صحفي لا يستحق المتابعة فتجاهلوني.. أحسن.. بركة يا جامع!

** توجهت إلى الإسكندرية لوداع أبنائي قبل السفر.. لاحظت وأسرتي وأهل الشارع أن المراقبة توقفت.. توقفت تماما.. قلت لنفسي وللمرة الثانية.. آه.. أخيرا تبينوا بأنفسهم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد تحقيق صحفي عادي لا يستحق منهم تعطيل مهامهم الأخرى الجليلة لمراقبة صحفية..

** أعددت حقائبي وعدت إلى القاهرة .. ومن باب الإغراق في حسن النية.. عاودت الاتصال بالعقيد علاء محمود.. الرجل كان مشغولا في اجتماع! كذلك لم يجب على اتصالي الرائد محمد حامد.. ضف إلى ذلك أن المخبرين الذين حفظت وجوههم حفظا اختفوا من أمام مقر مكتب الجزيرة في ميدان عبد المنعم رياض.. حسنا .. إغراقا في حسن النية مع الداخلية المصرية حملت حقيبة الشرائط.. وكان عددهم ستة عشر شريطا.. وتوجهت إلى لاظوغلي..

** سلمت هاتفي وبطاقتي الشخصية للأمن في الدور الأرضي وطلبت لقاء الرائد محمد حامد وجلست في قاعة الانتظار وبيدي الحقيبة.. ستة عشر شريطا عليهم كل ما سجلت طوال ذلك الشهر.. الأسماء تنادى الاسم وراء الآخر.. دوني.. بعد حوالي ثلث ساعة.. نودي على اسمي فإذا بهم يقولون لي "محمد بيه مش موجود" وسلموني هاتفي وبطاقتي.. ووجدت نفسي أخرج من لاظوغلي.. وقد زاد يقيني بأنهم أخيرا أدركوا أنه مجرد تحقيق صحفي لا يستحق منهم كل هذا المجهود الذي بذلوه.. وعدت بحقيبة شرائطي إلى مكتب قناة الجزيرة..

** اتصلت ثانية بالعقيد علاء محمود ولكن هذه المرة لأشكره وأعلمه بموعد سفري ومعي الشرائط.. تماما كما فعلت مع المقدم طارق في الصيف بعد انتهاء المرحلة الأولى من جمع مادة البرنامج.. لم يقل الرجل الكثير.. قلت له.. إنني سأترك القاهرة يوم الاثنين عصرا وشكرته على التعاون.. هذه المرة لم يقل لي:"حاتصل بك"

** استخرج لي مكتب القاهرة تصريحا بخروج الخمسين شريطا التي دخلت بها.. كان منهم الستة عشر شريطا المسجل عليها مادتي كلها وضعتهم في حقيبة صغيرة.. وباقي الشرائط كانت مازالت خاما.. أي فارغة.. ليس عليها آية تسجيلات .. لكن كان علي إعادتها لمخازن الجزيرة فهي (عُهده).. وضعتهم في حقيبة أكبر نسبيا.. وكان بتلك الحقيبة صور شخصية لأولادي وبضع أقراص كمبيوتر وهاتف وبعض متعلقات خاصة.. ** ذهبت إلى التسوق واشتريت كتبا من وسط المدينة.. كتبا كثيرة.. عن التاريخ والسياسة والشرطة والموسيقى والتعذيب وبضع روايات لجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان.. ثم اشتريت حذاء جديدا.. وبدأت أدخل في مزاج السفر.. الاستعداد للعودة إلى الدوحة.. المدينة الأخرى التي أحب بعد الإسكندرية.. مدينتي الجميلة المسترخية بثقة على شاطئ المتوسط.. هكذا إذن.. بدأت أنسى.. المخبرين والمراقبة وشد الأعصاب الذي عشته على مدى شهر من العمل المنهك المرهق..

** في اليوم التالي توجهت إلى المطار.. أقول لنفسي.. بمجرد وصولي إلى الدوحة سوف أنام بضع أيام قبل أن أستعيد طاقتي من جديد.. للعمل على هذا الكم من الشرائط والشرائط السابقة التي تم تصويرها في الصيف.. حملت على كتفي حقيبة أضع بها الكمبيوتر الشخصي المحمول.. وبه كل عملي وموادي البحثية ومشروعات المستقبل.. بينما حملت في يدي حقيبة الشرائط.. الستة عشر..

بداية المواجهة الصريحة.. المطار
** ودعت زوجي ووضعت حقائبي على أجهزة الكشف.. قال لي المسئول الجالس أمام الشاشة.. أرجعي هذه الحقيبة مرة أخرى.. أعدتها.. كان بها بقية الشرائط الخام.. مرت الإجراءات كلها طبيعية.. تسلمت سلطات المطار تصريح خروج خمسين شريطا.. ختم جواز سفري بخاتم الخروج.. توجهت إلى مقهى السوق الحرة.. رحت أدخن وأشرب القهوة.. أعد الساعات المتبقية قبل أن أصل إلى الدوحة.. حيث خطتي التي أبيت لها النية.. النوم لعدة أيام.. ** فتحت بوابة الخروج إلى حيث الطائرة.. بدأ الركاب يخرجون إلى أرض المطار حيث الطائرة.. كنت من ضمن الركاب.. السيدة هويدا طه متولي.. السيدة هويدا طه متولي.. سمعت اسمي في الميكروفون .. ثم سمعته للمرة الثانية.. توجهت إلى المسئول على البوابة.. ذلك الذي يسلم الركاب كعب تذكرة الطائرة.. قلت له.. عفوا أنا سمعت اسمي.. لم يرد إذ سارع أحدهم وكان يقف إلى جواره.. قائلا اتفضلي.. وأخذ جواز سفري.. ثم اصطحبني بعيدا إلى مكتب أمن المطار.. ** بالطبع أدركت في تلك اللحظة أنها (غلاسة) من أجل شرائطي! مجرد غلاسة!.. لم أستطع أن أضع تصورا للقادم من الأحداث.. هذه هي المرة الأولى التي أتعامل فيها مع هؤلاء الناس منذ أيام الجامعة.. أيام كنا نتظاهر نحن الطلاب.. ويطاردنا أمن الجامعة وأمن غير الجامعة ونجري منه بعنفوان الصبا.. وبعد عدة دقائق اصطحبني شخص طويل.. وسط كل هذه الأحداث لفت نظري أنه طويل جدا ونحيف وأصلع ويرتدي بذلة رصاصية اللون.. اصطحبني إلى منطقة الجمارك.. وعلى كتفي حقيبة بها اللاب توب (الكمبيوتر المحمول) وفي يدي حقيبة الشرائط الصغرى.. قال لي (بأدب جم):" ممكن لو سمحتي نشوف شنطك" قلت له تفضل.. أخرج اللاب توب ووضعه جانبا.. أخرج الشرائط الستة عشر من الحقيبة الأخرى.. ثم قال فين باقي شنطك؟.. قلت .. على الطائرة.. كنت أقف مقابلة له فقال رافعا رأسه نحو أحدهم الذي يقف وراء ظهري.. هات يابني الشنط دي هنا.. التفت فإذا بها حقائبي الأخرى التي تم وزنها منذ ساعات ودخلت إلى الطائرة.. لكن كيف بهذه السرعة؟ هي لم تدخل إذن من الأساس إلى الطائرة.. فتح شنطي.. فتش بين ملابسي.. أخرج كتبي وراح يقرأ العناوين.. " تاريخ الأوبرا؟ إنتي بتقري الحاجات دي؟ تجليات الغيطاني؟ إبراهيم أصلان.. الإمبراطورية الأمريكية؟ تناقضات الحداثة في مصر؟ إنت مثقفة بقى".. هنا فقط .. هنا فقط.. بدأت أتوتر.. أضيق ذرعا بهذا الغباء.. هنا فقط.. أدركت أن الطائرة أقلعت.. أنني لن أنم لعدة أيام كما كنت على وشك أن أفعل.. غضبت من طريقة تقليبه في كتبي.. نبش باقي حقائبي وكأنه ينبش قبرا أو ينهش فرائس وقعت في يده بالجملة.. نحى حقائب الشرائط جانبا.. نحى اللاب توب جانبا.. وبدأ ينهش كتبي.. استخرج منها جانبا كتبا اشتريتها من وسط المدينة عن التعذيب.. تملكني الغضب.. لم أعرف إلى أي قدر كان صوتي عاليا.. أدركت أنه عال عندما وجدت الزحام يزداد حولنا.. زاد بروده من غضبي.. صرخت قائلة:" أنا حرة.. أقرا اللي انا عايزاه في الوقت اللي انا عايزاه في المكان اللي انا عايزاه.. مفيش قانون يمنعني أقرا كتب اشتريتها من وسط البلد .. دي مش منشورات سرية.. شيل إيدك عن كتبي.." قال ببرود.. "لأ مفيش قانون يمنعك تقري.. بس فيه قانون يمنعك تاخدي شرايط من غير تصريح.." أدركت حينها أن ذلك الذي ظننته على مدى أشهر (أدبا جما) ما هو إلا برود.. برود تدرب عليه جيدا هؤلاء الناس.. أبدا لم يكن أدبا جما.. ولا تهذيبا.. كان برودا يشبه برود الموتى.. نظرت في عينيه.. بدتا لي وكأنهما عينا ميت.. لا شيء فيهما.. قلت له:" التصريح موجود وأخدته مني سلطات المطار" قال: مين ده اللي خده؟ قلت له: اسمه أحمد عبد الله وده تليفونه إسأله.. قال : بعدين حنتأكد .. قلت له : لأ دلوقتي إسأله واتصلت أنا به وأعطيته التليفون.. راح يكلمه.. ثم أغلق معه وقال لي: شفتي؟ مش ده التصريح اللي احنا عايزينه.. احنا عايزين تصريح لجنة المصنفات الفنية؟ زاد غضبي .. قلت له: مصنفات إيه هو أنا بشتغل سينما واللا دراما.. ده تحقيق صحفي.. راح ينحي جانبا بعض كتبي.. اتصلت وأنا غاضبة بالعقيد علاء محمود وقلت له:" كده يا علاء بيه.. أنا مش اتصلت بيك وقلت لك رتب لي موعد معاهم عشان يشوفوا الشرايط؟ قرد بكلمة واحدة.. قال"حصل".. قلت له أومال إيه الحركات دي؟ ياخدوا شنطي في المطار ليه؟ هو أنا مجرمة؟ قال "إنتي فين دلوقتي" قلت له : في المطار .. في المطار يا علاء بيه.. قال:" طيب يا هويدا.. أنا حاشوف فيه إيه و... حاتصل بك"! أغلقت معه الهاتف.. ولاشعوريا اندفعت نحو من ينهش كتبي وقلت له.. سيب كتبي.. قال ببرود الموتى الذي يملأ أركان عينيه.." حناخدهم وناخد اللاب توب وناخد شنط الشرايط ونتصل بك بكره أو بالكتير بعد 48 ساعة عشان تيجي تاخديهم.. ودلوقتي حنلغي ختم الخروج من باسبورك وحنتأكد بنفسنا إن التذكرة مراحتش عليكي".. اندفعت ثانية أعد الكتب التي أخذوها لأنني لن أتمكن من حفظ عناوينها كلها.. وجدتهم تسع كتب.. زاد غضبي من أجل كتبي.. قلت له إياك ينقص منهم واحد.. قال يا مدام كل حاجتك محفوظة بالكتير 48 ساعة وتاخديهم، صرخت.. واللاب توب تاخده ليه.. ده كمان مصنفات فنية؟ اللي بيحصل ده سطو وسرقة بالإكراه.. انتم لصوص.. هجامه.. ، لم يرف له جفن.. مازالت عيناه ميتتين.. وجدت سيدة بزي المطار تقترب مني وتأخذني مع باسبوري وبقية حقائب ملابسي وهي تبتسم بحنو أو بخبث.. لم أعد أفرق بين الحالين.. تملكني حزن.. لم أتخيل نفسي عائدة بدون اللاب توب.. وكأنه طفل نزع نزعا من بين يدي أمه.. لم تهمني الشرائط فلدي منها عدة نسخ.. لكن كتبي.. تألمت لأخذها مني.. وأحرقني أسفي على الكمبيوتر الذي يحتوي على مواد جمعتها في سنين.. لحق بنا الرجل الطويل الطويل النحيف ذو الصلع والعينين الميتتين وقال لي بتراجع (مصطنع هو الآخر) إحنا ذنبنا إيه؟ إحنا بننفذ أوامر.. ملناش دعوة.. تأثرت لوهلة بتراجعه.. قلت له: أنا مقصدش أغضب منك كفرد.. إذا كنت تأذيت بكلامي وصراخي كفرد فإنني أعتذر لك كفرد.. لكن أبدا ده نظام بوليسي يسطو على الناس ويسرقهم.. قال معلهش.. اتفضلي روحي.. وحاجتك إحنا اللي حنتصل بك عشان تخديها بعد 48 ساعة، وأشار لي بيده.. مشيت مع السيدة وكانت تحمل جواز سفري.. ثم حانت مني التفاته إلى وجهه.. اللعنة على غبائي.. كيف تصورت أنه تأذي بغضبي.. بل كيف تصورت أن عينيه ميتتان.. مع تلك الالتفاتة.. لمحت في عينيه بريق سخرية عابر وسريع.. يا لغبائي.. شعرت فجأة بالانكسار.. أخرجوني من المطار مع حقائبي المتبقية بعد أن سطوا على كتبي وحقائب شرائطي وجهاز الكمبيوتر .. اتصلت بزوجي وصوتي مجهد بعد كل ذلك الغضب في المطار.. كان قد أوشك أن يخرج من المحور إلى الطريق الصحراوي في طريق العودة إلى الإسكندرية.. ثم جلست على الرصيف.. ليس أقل من ساعة ونصف على الأقل حتى يعود مرة أخرى إلى المطار.. بدأ الليل يزحف.. منهكة .. جائعة.. حزينة.. محبطة.. حائرة.. حتى أنني لم أجد مزيدا من الإحباط أشعر به عندما بدأت بطارية هاتفي تخبو.. هي الأخرى بدأت طاقتها تذبل.. يوشك هاتفي أن يموت.. وأنا في الانتظار..

** وصل زوجي.. حملوني حملا إلى السيارة.. طوال الطريق إلى الإسكندرية كنت صامتة.. وفي غرفتي تكومت في طرف سريري.. نام جزء من جسدي وبقي جزء لا ينام.. رحت أسترجع أسماء الملفات المخزنة على اللاب توب المصادر.. لا بل الذي سرق مني بالإكراه.. أصحو.. فإذا بأسماء الملفات وعناوين الكتب المصادرة تتزاحم على حافة عيني.. أنام..فإذا بالزحام الذي أحاط بصراخي في المطار يطبق علي في السرير.. أصحو فإذا بعيني الرجل الطويل النحيف الميتتين تحدقان في وكأنهما تريدان أن تسحباني معهما إلى موتهما.. أنام.. أصحو.. أصحو مجددا.. أنتفض.. لأجد نفسي وقد بدأت أستعيد ذلك الجلد وتلك المثابرة التي اشتهرت بها بين أصدقائي.. أبدا لن أنكسر.. هكذا قلت لنفسي.. سوف أعيد من جديد جمع تلك المادة على كمبيوتر جديد.. انتفضت.. كمبيوتر جديد؟ أبدا.. لن أفرط في حقي.. لن أترك لهم غنيمتهم.. سأستميت حتى أستعيد الكمبيوتر والكتب.. عدت من جديد إلى الانكماش.. دفنت رأسي بين الوسائد.. من جديد.. رحت أسترجع ذهنيا مادتي البحثية التي أخزنها على الكمبيوتر المصادر.. ومن جديد عدت للحزن عليها.. ومن جديد رحت أنتفض.. ومن جديد رحت أقاوم الانكسار.. نمت...

هواجس الساعات الثمانية والأربعين
** صباح اليوم التالي.. توجهت إلى القاهرة مجددا.. نسخة أخرى من شرائطي أخرجتها من مخبأها.. اكتشفت أن مادة واحدة من الشرائط المصادرة هي التي لم تنسخ.. وهي لقاء مع لواء سابق هو اللواء/ حازم حمادي.. قلت لا بأس.. لدي من مثله الكثير! قضيت اليومين أرتب لإخراج مادتي المسجلة.. نجحت.. اطمأننت أنها وصلت إلى خزانتي في مقر الجزيرة بالدوحة.. تفرغ حزني ليصب نحو الكتب واللاب توب.. رحت استقبل عزاء الزملاء في مكتب الجزيرة فيما فقدت.. فريق المكتب كله تعامل معي بدفء وتعاطف كبيرين.. كنا ننتظر اتصالهم الذي وعدوا به.. بعد مرور 48 ساعة.. لم يتصل أحدهم.. وأثناء ذلك قالت لي إحدي الصحفيات إنها كانت بالصدفة في مقر لجنة المصنفات الفنية.. وذهلت حين رأت حقيبتي البنية التي تحوي شرائطي الستة عشر مشمعة بالشمع الأحمر.. وحملها رجل طويل خارجا بها من المصنفات وبيده ظرف كبير.. قامت بالسؤال عنه فقيل لها باقتضاب "ده تقرير رايح الأمن".. كان رأيها أن (شيئا ما يعد لي في الخفاء) ونصحتني بالإسراع في السفر.. قلت لها.. لأ أنا في انتظار مكالمتهم.. الرجل ذو العينين الميتتين وعدني بذلك.. إن لم يتصلوا سوف اتصل أنا.. لكن بمن اتصل.. انا لا اعرفهم.. لا اعرف لهم اسما ولا اعرف اسم ذلك الطويل الطويل النحيف ذا الصلع والعينين الميتتين.. ولم يعطني أي منهم إيصالا بما أخذوا.. وفي زخم غضبي في المطار لم أنتبه أن أطلب إيصالا.. لقد سرقت.. تعرضت للسطو من أناس إدعوا بلا أي سند أنهم (أمن دولة)..

** من مكتب الجزيرة بالقاهرة اتصلت بسلطات المطار وأنهكت حتى توصلت إلى قسم الجمارك.. رد علي أحدهم.. قلت له:" لو سمحت حاجاتي اتصادرت من يومين وقلتم أنكم ستتصلون بعد 48 ساعة.. هي مرت الآن" كان رده مفاجأة.. لم يسألني من أنت ما اسمك ما هي حاجاتك.. لم يسألني على الإطلاق عن أي شيء بالضبط أتحدث.. كل ما قاله :"يا ماما احنا مبنصادرش حاجة حد" ثم أغلق الهاتف!

** حينها نقلت التطورات إلى مدير مكتب الجزيرة في القاهرة السيد حسين عبد الغني.. وتركت له الأمر.. يبلغ الجزيرة في المقر أي في الدوحة أو يذيع (خبر مصادرة السلطات المصرية لشرائط تخص الجزيرة) أو ما يراه مناسبا.. وعدت إلى الفندق.. لا أعرف هل أسافر وأسكت.. هل اتصل بهم مرة أخرى.. لا أعرف ماذا يريد هؤلاء الناس بالضبط.. هل ذكاؤهم متواضع إلى درجة أنهم مثلا يفرحون باغتنام شرائطي دون حتى أن يضعوا في حسبانهم ولو احتمال ضئيل أن لدي منها نسخ أخرى؟ ماذا يريدون؟

هل كان كل هذا فخا؟
** صباح اليوم التالي.. رن الهاتف في غرفتي بالفندق.. قالت لي عاملة الفندق إن ضابطا من قسم الأزبكية يلح على مقابلتي.. كنت لم أنم منذ يومين.. لم استطع الخروج من السرير.. فوضعت الهاتف ونمت ثانية!.. لم أشعر وسط الجوع الشديد للنوم بأن ضابطا ينتظر في بهو الفندق.. رن الهاتف من جديد.. وأعطتني عاملة الفندق رجلا على الهاتف قال لي إنه الملازم هشام حجازي من قسم الأزبكية ويريد أن يأخذ توقيعي على بعض الأوراق.. جررت ساقي وارتديت ملابسي ونزلت إليه فإذا به يقدم لي أوراقا تنص على أنني "مطلوبة للتحقيق معي في القضية رقم 11 لسنة 2007 حصر أمن دولة عليا أمام المستشار هشام بدوي في نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس.. مدينة نصر" وقعت له على المحضر بالعلم.. وعند خروجه قال بأدب ودهشة.. هو انتي عملتي إيه؟! قلت له.. عملت برنامج! إنت مش عارف الحكاية؟ فشرح لي أنه يؤدي عملا روتينيا حيث هاتفه شخص اسمه الرائد حازم رشوان من أمن الدولة وطلب منه أن يتوجه إلى الفندق المسمى كابسيس الواقع بشارع رمسيس لإعلام السيدة المذكورة بمحضر إعلام بحضور تحقيق.. وهذا كل ما يعرفه.. قلت له.. طيب مطلوب مني حاجة تاني غير التوقيع.. قال لا.. ربنا معاكي!

** كان ذهني من عدم النوم قد تبلد.. عدت إلى غرفتي ونمت.. صحوت بعد المغرب واتصلت بمدير مكتب الجزيرة وقلت له:" حسين.. الصبح جاني ملازم من قسم الأزبكية ووقعت له بالعلم على محضر كان مكتوب فيه القضية رقم 11 حصر أمن دولة عليا.. معناه إيه الكلام ده؟ الكمبيوتر مش حيرجع؟" صاح حسين:" الصبح؟ ومقلتليش ليه؟" قلت له:" أصلي كنت محتاجة أنام وذهني مجهد من عدم النوم" صاح مرة أخرى:"عملوها قضية وإنتي رحتي نمتي؟" بدأت أشعر من لهجته إن الحكاية الظاهر أكبر مما توقعت.. ورحت أسأل نفسي... هو فيه إيه؟! أنا في فخ واللا إيه؟ كل ده كان مصيدة؟! عجيبة.. ليه؟!

تحقيقات النيابة
** أبلغ حسين عبد الغني الجزيرة في الدوحة بالتطورات.. واجتمع بالعاملين في المكتب.. وبدأت أعد الوثائق التي تثبت أن هؤلاء الناس تعاونوا معي منذ البدء ووافقوا منذ البدء وكانوا معي منذ البدء خطوة بخطوة.. لا لأنهم أذكياء وشطار ويقدروا يجيبوا التايهة.. ولكن ببساطة لأنني كنت أبلغهم بنفسي بخطواتي عن طريق منسق من طرفهم.. هم بأنفسهم من رشحوه أول مرة عندما كان المقدم طارق.. وثاني مرة عندما كان العقيد علاء محمود أو السيد (حاتصل بك) كما أسميته لاحقا وأنا أسخر من كل تلك الأحداث برمتها.. وضمن تلك الوثائق نسخة من التصوير في معهد الضباط.. إذ لا يمكن لعاقل أن يتصور أنني دخلت إلى قاعة امتحان طلابها ضباط شرطة داخل معهد تدريب الضباط ووقفت وسط القاعة أصورهم ويظهر معي فيها اللواء محمود شرف رئيس أو مدير المعهد ومعي معدات ثقيلة وفريق تصوير يضم مساعدتي وفني الصوت وفني الإضاءة والمصور.. كل ذلك بدون موافقة من الداخلية بأكملها.. كذلك كان كتاب الجزيرة الذي وجهته إلى الداخلية تشكرها على التعاون في المرحلة الأولى من البرنامج في الصيف الماضي ثم تصريح المركز الصحفي بدخول وخروج الشرائط..

** اتصل مدير المكتب بالمحامي وحدد معه موعدا وجلس معي ينصحني ألا أسمح بأن تتم (جرجرتي) للحديث في السياسة.. هويدا.. أرجوك.. مفيش سياسة.. هه؟! إجابات على أسئلة النيابة تكون محددة واضحة حقائق.. فقط حقائق.. وأكد على ذلك المحامون.. سواء من مكتب الدكتور محمد سليم العوا وهو المحامي الذي استعانت به الجزيرة أو المحامون الذين تطوعوا للحضور معي في التحقيقات.. وكلهم من منظمات حقوقية ولجان الحريات في نقابة المحامين وغيرها.. سألوني:" هل انت عضوة في نقابة الصحفيين؟ قلت لهم:" لأ.. لكن أنا عضوة في نقابة المهندسين" سألوا عن اسم المحقق.. قلت لهم وأنا أهز كتفي.. كان المحضر مكتوب فيه المستشار هشام بدوي.. ليه هي تفرق؟! نظروا إلي.. يقولون .. هذا شيء لا يثير التفاؤل بالمرة.. تساءلت.. ليه؟ هو المستشار هشام بدوي ده مش بيسأل برضه أسئلة وتتسجل إجاباتي عليها بالحرف؟ خلاص .. تبقى إجاباتي أنا هي الأهم.. مش الأسئلة.. لم أفهم نظراتهم حينها! لكنني انتبهت أن حسين عبد الغني أوصى المحامي إيهاب نجيب أن يشير لي بطرف الجاكيت إذا وجدني أنزلق إلى.. كلام في السياسة!

** صباح يوم السبت 13 يناير توجهت مبكرا نسبيا إلى النيابة.. فضلت أن أبكر بالذهاب لأنني كنت أتوقع ألا ندل المكان بسرعة.. فأنا وسائقي من الإسكندرية.. ومعرفة القاهرة وطرقها شيء شاق بالنسبة لنا.. بالفعل صدقت توقعاتي.. أثناء الطريق كنا نسأل ونذهب حيث ينصح الناس.. فوجدنا أنفسنا في نهاية المطاف قد قطعنا عدة كيلومترات على طريق الإسماعيلية!.. عدنا للسؤال حتى دلنا أحدهم أخيرا بالوصف الصحيح.. هذا هو إذن التجمع الخامس.. منازل جميلة لكنها خاوية في معظمها.. تشبه المدن الجديدة أو الضواحي الجديدة التي تبنى على أطراف المدن التقليدية.. ما علينا.. أمام مبنى النيابة الجديد الأنيق.. كان قد وصل زوجي ومحامون من منظمات حقوقية عديدة.. وحسين عبد الغني وسمير عمر مراسل الجزيرة في القاهرة ومصور الجزيرة.. وقفنا قليلا أمام المبنى.. أعاد علي حسين عبد الغني الذي تعب معي كثيرا في هذا الأمر أعاد التأكيد علي ألا أنزلق إلى أي حديث في السياسة.. وأعاد على المحامي إيهاب نجيب التأكيد بأن يحرك طرف الجاكيت إذا وجدني رايحة في سكة إجابة (ضارة) بحد تعبيرهم.. وقال له حسين مبررا إن هويدا زميلة ممتازة لكنها أول مرة تحضر تحقيق نيابة.. طمأنه المحامي.. والذي نظرت إليه مليا فاكتشفت كم هو شاب طيب صغير السن ودود ومهذب.. يصغرني على الأقل بخمسة عشر عاما.. صعدنا إلى مبنى النيابة وجلسنا في مكتب مجاور لمكتب رئيس النيابة.. انتبه سمير عمر إلى أن صورة الرئيس مبارك وضعت في مدخل الغرفة بجوار الباب وليس في مواجهة الباب كالمعتاد في كل أماكن المؤسسات الحكومية.. سأل فقال أحد العاملين:" حطيناها هنا عشان المواطن وهو خارج يشوفه.. ويفتكر لو ناسي"! ضحكنا جميعا.. نظرة حولي وجدت خزائن مشمعة بالشمع الأحمر.. سرعان ما عرفنا من النقاش أنها خزائن بعض قيادات الإخوان المسلمين التي صودرت.. في ذلك اليوم كانت قد بدأت الحملة العنيفة ضد الإخوان.. راح الإخوان يتساقطون الواحد تلو الآخر تفصل بين كل منهم عدة ساعات.. ومع أكواب الشاي الساخن والبرد القارص وضحكات المحامين والأصدقاء.. مر خاطفا على ذهني.. شيء نسميه في أدبيات التاريخ المصري القريب (حملة سبتمبر).. تلك التي أصيب فيها السادات بالجنون فراح في تلك الحملة يجمع في السجن الشيوعي والإخواني والليبرالي والاشتراكي والناصري و.. مخلاش! يبدو أن لكل رئيس شهر مفضل تسمى به حملاته! عاد نظري من جديد إلى الخزائن المرصصة.. وعاد سمعي يستجمع قفشات سمير عمر وتوجيهات حسين عبد الغني ونظرات المحامين والحقوقيين.. كنت أرتعش من البرد القارص.. لكنني استطعت التحكم في الأمر حتى لا يظن أحدهم أنني ارتعش خوفا.. الحقيقة أنني حتى هذه اللحظة لا أشعر بأي خوف.. ليس لأنني أرى في الأفق المصري أي عدالة.. وإنما في أعماقي.. عقلا ووجدانا.. أشعر أن قضيتهم... فشنك! يعني ولا حاجة.. ماذا فعلت؟! كل شيء تم تحت أعينهم وبموافقتهم.. لو أنني أقوم بشيء خطر.. لماذا تركوني بل تعاونوا معي في إلحاق الضرر بالبلاد.. هم شركائي منذ البدء، لو أنهم مثلا رفضوا بحسم منذ البداية وقالوا إن هذا الذي أنوي عمله غير مسموح به.. فإنه يحق لهم الآن - بشكل أو بآخر- أن يشتكوا.. لكن يشاركونني خطوة بخطوة ثم يتباكون في النهاية على مصلحة البلاد التي ألحقت بها الضرر الجسيم بالشروع في الإعداد لبرنامج تليفزيوني؟! كيف هذا.. كيف لا تشعر أمام هذه (الهيافة) إنها.. قضية فشنك؟!.. ما علينا.. التزاما بتوجيهات حسين عبد الغني.. وعدته بصدق ألا يكون هناك أي شكل من أشكال الانجرار إلى خطيئة السياسة.. وعدته أن أكون فاضلة أثناء التحقيق ولا أقع في بئر تلك الخطيئة..

** رفضت النيابة حضور حسين عبد الغني بصفته مدير مكتب الجزيرة.. وسمحت بدخول المحامين.. كانوا من منظمات حقوقية مختلفة.. وكلهم متطوعون بالحضور.. إلى جانب إيهاب نجيب المحامي من مكتب الدكتور سليم العوا الذي وكلته الجزيرة.. غرفة التحقيق كانت واسعة بها مكتب في نهايتها وراءه نافذة بعرض الحائط ومسدل عليها ستار مكتبي عبارة عن قطع متشابكة من البلاستيك أو ما شابه.. أمام المكتب يوجد مقعدان بينهما منضدة مرتفعة وضعت عليها الأوراق المرقمة لكتابة المحضر.. وعلى الجانبين توجد مقاعد جلدية جلس عليها المحامون.. على مكتبه كان يجلس رئيس النيابة المحقق وعرفت أن اسمه كما ناداه المحامون (محمد بيه الفيصل).. جلست أنا وكاتب المحضر على المقعدين متواجهين وبيننا الأوراق.. حرصت على أن يكون إيهاب جالسا حيث تقع عليه عيناي.. لأرى مفعول حكاية الجاكت..! قام المحقق إلى الغرفة المجاورة وغاب قليلا.. فسألت الكاتب.. هل يمكن أن أدخن سيجارة؟ قال عادي خالص حتى لما ييجي محمد بيه ممكن تدخني.. فقلت له :" لا يا شيخ.. النيابة عادة لها في نفوسنا هيبة.. مش معقول أدخن أمامه.. لما يرجع حاطفيها".. بعد عودته.. أطفأت السيجارة فقال له الكاتب:" يا محمد بيه.. المدام مكسوفة تدخن في حضورك" فاجأني الرجل بهذا القول.. لكن المحقق قال على الفور:"لا لا.. براحتك دخني براحتك.. تشربي إيه.." نادى على عامل وطلب منه إحضار شاي للجميع، وسرعان ما ألفت المكان.. وبدأت أدخن وأشرب الشاي الساخن .. بعد دقائق.. كان الجميع يدخن.. دقائق أخرى.. وصارت الغرفة وكأنها.. غرفة إعدام بالغاز.. يا ساتر!

** بدأت منذ تلك اللحظة أسمع اسمي مسبوقا بكلمة (المتهمة)!.. أملى رئيس النيابة على كاتبه الديباجة المعروفة بافتتاح المحضر وتاريخ اليوم وأسماء الحضور .. المتهمة والمحامون.. ثم قال لي" أنا أولا سأقرأ عليك التهم الموجهة إليك وعقوبتها المنصوص عليها في القانون..

** أنت متهمة بتهمتين.. الأولى ممارسة نشاط من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد.. والثانية حيازة صور مفبركة تبلبل الرأي العام وتسيء إلى سمعة البلاد.. وعقوبتهما ما بين ستة أشهر سجن إلى خمس سنوات ما قولك؟! هممت بالقول:" أنا كنت .." لم أكمل جملتي.. فقد قام المحامي الحقوقي حافظ أبو سعدة على الفور من مقعده.. وقال.. لا لا لا.. معلهش يا محمد بيه.. أصلها أول مرة تحضر تحقيق ومش عارفة.. ثم جاء نحوي وقال لي هو دلوقتي يقرأ عليك الاتهام.. الأول تقولي محصلش.. وبعدين تشرحي بعدين، أكد رئيس النيابة قوله وقال لي.. صحيح.. دي قراءة للاتهام.. إذا عايزة تنفي.. إنف.. وبعدين حنيجي للتفاصيل.. اسمعي كلام محاميك في هذا.. قلت له" طيب.. محصلش.. "!

** بدأ المحقق يسأل.. إيه حصل معاك دلوقتي إحكيلي.. رحت أحكي له قصتي مع (باشوات لاظوغلي) منذ البداية.. كان يسجل نقاطا في ورقة أمامه.. الكاتب لا يكتب أي شيء.. ومن حين لآخر كنت أنظر إلى محاميي ذي الجاكيت.. فكان يومئ برأسه معبرا عن رضاه عما أقول.. ومن حين لآخر أجول ببصري بين المحامين.. فيومئ الجميع لي برؤوسهم.. وبدأت استشعر في عيونهم وإيماءاتهم رضا عن طريقة سردي ومفرداتي التي استخدمها.. ازددت ثقة.. وأدركت أنني بدأت أفهم المسألة، بعد العشرين دقيقة الأولى.. استأذن رئيس النيابة وغاب في الغرفة المجاورة.. فتدافع نحوي المحامون يعبرون عن رضاهم بسير التحقيق وقالوا:" إنت لحد دلوقتي ممتازة"..

** عاد المحقق مرة أخرى وطلب للجميع شايا مرة أخرى.. ثم بدأ يملي كاتبه بما حكيت أنا وقال لي:" تابعي معي ما أمليه وإذا أردت التوقف عند نقطة أو التصحيح.. وقفيني.." أسقطت نظري عموديا على الأوراق.. واستجمعت كل حواسي.. الكاتب خطه واضح وأرى كل كلمة تكتب.. كل كلمة تكتب أمامي.. طمأنني هذا الأمر.. ثم بدأت أشعر بالدهشة لدقة المحقق.. فقد حكيت له بالتفصيل حكاية استمرت أحداثها شهورا.. وكان يسجل في ورقته كلمات قليلة جدا.. لكنه عندما بدأ يملي على كاتبه القصة كان دقيقا حتى أنني أستطيع القول أن كل كلمة أملاها له في قصتي كانت بالضبط ما قلت.. تسرب إلي نفسي إعجاب خفي بوجود شيء في الدنيا اسمه النيابة.. تذكرت المواطنين الذين سجلت معهم شكاواهم من الشرطة وضباطها.. كانوا جميعا يتحدثون عن النيابة أنها كانت تستجيب لشكواهم.. تذكرت ذلك المواطن الذي ألبسه ضابط منطقته (قميص نوم حريمي) وراح يجره به في الشارع أمام جيرانه ورفاقه.. وتسببت تلك الحادثة في إصابة أم ذلك المواطن بالشلل نتيجة صدمتها لما جرى مع ابنها.. قال لي ذلك المواطن إنه عندما اشتكى لوكيل النيابة ذهب بنفسه.. وكيل النيابة إلى قسم الشرطة.. وفتش أدراج الضابط وأخرج منها قميص النوم وأشياء أخرى كان يلفق بها قضايا لمواطني منطقته.. وإن وكيل النيابة أحال هذا الضابط إلى التحقيق.. تذكرت تلك القصة بينما كان اطمئناني يزداد كلما رأيت دقة ما يملى على الكاتب ومطابقته لما أقول..

** في أحد مرات الخروج التي كان يخرج فيها المحقق إلى الغرفة المجاورة - والتي عرفت بعدها أن المستشار هشام بدوي كان فيها- تساءلت عن هذا المحقق.. وعبرت للمحامين عن إعجابي بتلك الدقة.. لم يعلق أي منهم.. خزنت هذه الملاحظة في نفسي.. وبعد عودته بدأ يسأل سؤالا تلو الآخر وتكتب إجاباتي أولا بأول.. وأحيانا أزيد شيئا بالتوجه مباشرة إلى الكاتب ليكتبه.. كان ينظر إلى المحقق عندما أملي عليه شيئا.. فيبتسم المحقق ويقول له إكتب ما تقوله لك.. وسرعان ما ألفت هذا الأمر ورحت أملي عليه ما أراه.. دون أن يمانع المحقق في أي مرة.. تدخل مرة ليصلح لي تعبيرا لغويا وكان هو الأدق..

** استمر التحقيق من الثانية عشر ظهرا حتى السابعة مساء.. تخللها طلب المحقق جهازا للعرض .. رفع من تحت مكتبه حقائبي.. آه رأيتها مرة أخرى.. اللاب توب وحقائب الشرائط.. لكن الكتب لم تكن موجودة.. حتى هذه اللحظة أشعر بالندم أنني لم أطلب منه أن يعطيني من حقائبي صور أولادي الموجودة بها.. لابد أنه كان سيسمح بذلك.. فما معنى أن تظل صور أولادي حتى اليوم حرزا مضبوطا في النيابة.. أحيانا تفلت منك فرص لا تأتي إلا مرة واحدة، ليتني قلت له إعطني إياها.. ما علينا.. بدأ يعرض الشرائط.. ويصف ما يراه.. كانت شرائط المشاهد التمثيلية تحتوي تكرارا للمشهد لأكثر من عشر مرات.. ذلك أنها لم يتم عليها المونتاج بعد، أوضحت له هذه المسألة وبدأ هو يجري الشريط حتى يتخطى التكرار.. وأملى على كاتبه:" وقد لاحظنا في الشريط المدون عليه عبارة مشاهد تمثيلية 1 أن المشهد يتكرر أكثر من مرة مما يعني أنها مادة غير ممنتجة".. ثم قال ممليا كاتبه" ولاحظنا مشهد لفتاة ترتجف على الأرض إثر اعتداء جنسي عليها..." استوقفته حينها وقلت:" جنسي إيه يا محمد بيه.. ده مشهد لفتاة ترتجف في الأرض صحيح.. لكن فين جنسي ده؟" وقام المحامون وساندوا رأيي.. فنظر نحوي المحقق ثم التفت إلى كاتبه.. وقال له:" قوّس عليها دي" وابتسم وعاد لمشاهدة الشرائط.. أحد التعبيرات التي تعلمتها في تلك الجلسة من التحقيقات هي عبارة (قوّس عليها) وهي التي يقولها المحقق لكاتبه عندما يخطئ في كتابة كلمة أو في هجاءها.. ثم في نهاية الجلسة يوقع عندها باللون الأحمر.. ما يعني أنها حذفت من المحضر بعلمه وموافقته.. وهي العبارة التي رحت أنا أقولها في الساعات التالية للكاتب كلما لم أرض عن كلمة ما.. أقول.. لا لا لا.. قوّس على دي... وكان المحقق يبتسم ويعيد القول لكاتبه.. قوّس عليها!

** عند السابعة مساء كان الجميع قد أنهك.. كنت راضية تماما عن قوة حجتي.. رضيت عن إجاباتي لسبب بسيط للغاية.. ليس لأنني امرأة خارقة.. وإنما ببساطة لأنني كنت أحكي بالضبط ما حدث.. كنت أروي الحقيقة.. والحقيقة رائعة.. يكون الذهن صافيا عند روايتها.. لأنها شيء وقع بالفعل.. قام المحقق مرة أخرى وذهب إلى.. الغرفة المجاورة.. سألت ماذا هناك في تلك الغرفة.. قالوا.. المستشار هشام بدوي.. حاولت أن أقرأ في عيونهم.. ماذا يعني هذا.. لم تجب عيونهم.. لكن صمتها كان بذاته جوابا.. ** عاد المحقق وقال غدا سنستكمل التحقيقات وسوف احتجزها الليلة لاستكمال ال.. لم يكمل جملته قام جميع المحامين الحاضرين وتجمعوا حوله حتى شعرت أنهم يكادوا يكبسوا نفسه.. قالوا نرجوك يا محمد بيه خليها تروح وبكره الصبح نتعهد نحن بإحضارها ولو حتى تعهد مكتوب.. قال مقدرش.. عاودوا المحاولة معه مرة أخرى.. بالكاد كنت أرى وجهه بسبب تجمعهم حوله.. قال لهم خلوني أحاول أشوف.. خرج إلى الغرفة المجاورة.. ** عاد وقال موجها كلامه لي مباشرة.. التحقيق لسه مخلصش.. حنحتجزك الليلة ونكمل بكره.. ولم يسمح للمحامين بالتدخل مرة أخرى.. تراجعوا إلى الخلف وبدا الإحباط على وجوههم.. نظرت إليهم ثم نظرت إليه وقلت:" يعني أنا دلوقتي أعمل إيه بالضبط؟".. قال لي " فيه أي أدوية بتاخديها واللا حاجة؟ قوليلي.." قلت له" لأ.. بس فيه كيس مع زوجي عايزاه" قال.. حنشوف.. وقام خارجا من الغرفة.. لا أدري إن كان إلى بيته أم إلى الغرفة المجاورة..

ليلة في غرفة الحجز
** المحامي إيهاب نجيب الذي يمنحني طوال الوقت شعورا بأنه مثل ابني نظر نحوي بأسف.. قلت له :" مش مهم.. عادي .. أهي ليلة.." وخرجت مع ضابط إلى الأسانسير.. وعندما خرجت من المبنى الذي دخلته نهارا.. كان الليل يفترش الأرض والسماء والوجوه.. لم استطع أن أرى أي وجه بإمعان.. إذ كانت سيارة الترحيلات الزرقاء قد لاصقت مدخل المبنى بحيث أنني مجرد أن خرجت أخذني الضابط مباشرة إلى باب السيارة المصفحة! كانت مظلمة ولم يكن بها أي أحد.. وجدت نفسي أتأرجح بها بمجرد أن بدأت تتحرك.. فأمسكت بالنافذة المسيجة الصغيرة.. وعند خروج السيارة من الساحة الرئيسية أمام مدخل المبنى.. لم استطع أن ألمح من هذه النافذة سوى وجه السائق الذي سمعت صوته يقول.. يا مدام هويدا يا مدام هويدا... لم أر زوجي أو سمير عمر مراسل الجزيرة في القاهرة.. لكن موبايلي كان ما زال بحقيبة يدي.. اتصل بي سمير عمر وقال.. انا وراك وزوجك وراءك.. متخافيش.. فضحكت وقلت له:" بس يا اخي العربية المصفحة دي ضلمة قوي" فقال لي:" ضلمة؟.. يا روشة.. "!

** وصلت السيارة إلى قسم شرطة القاهرة الجديدة الذي يبدو أنه هو الآخر حديث البناء.. أنزلني ضابط وأخذني من يدي إلى داخل القسم.. عندما دخلت كان زوجي وسمير عمر يقفان مع أحد الضباط يحادثانه.. وعندما وصلت قربهم قال زوجي" إجمدي يا هويدا.. إجمدي.. حاجيبلك بطانية من العربية وشوية ساندويتشات" قال الضابط لو سمحتي إذا كان معك موبايل الرجاء تعطيه لزوجك.. بمنتهى السذاجة أعطيت زوجي الموبايل.. الآن أقول لنفسي.. إذا تكرر أمر مثل هذا سوف أنكر وجود الموبايل وأعمله سايلنت ولا أسلمه أبدا.. ما علينا.. كنت أنظر إلى الوجوه.. أحاول قراءة ما يدور في نفوسهم.. القاسم المشترك هو الدهشة والذهول.. كانت بداخلي سكينة ما.. وكان كل همي أن يحضر لي زوجي كيسا موجودا في السيارة.. ذهب لإحضاره.. بينما ودعني سمير عمر وجاءني أحد الضباط أو العساكر.. لا أدري.. ليأخذني إلى غرفة الحجز.. ثم التفت يكلم أحدهم بجواره.. وجدت شرطيا آخر قريبا مني فقلت له.. من فضلك ممكن تنادي زوجي؟ فقال خلاص يا مدام.. قلت له معلهش عايزاه ضروري ممكن تناديه دقيقة واحدة؟ قال خلاص يا مدام خلاص.. شعرت بالغضب فاقتربت منه وقلت له وأنا أقرب عيني من وجهه" طب شوف بقى.. إما تناديلي جوزي.. أو تاخد بعضك وتروح أقرب صيدلية تجيبلي أولويز أو بكرة الصبح يشوفوني غرقانه في دمي.. منظمات حقوق الإنسان تفتكر إن المتهمة ضربت في غرفة الحجز حتى نزفت" ثم غمزت له وقلت.. هيه.. إيه رأيك؟.. بالطبع لن أنسى ما حييت التعبير الذي رأيته على وجه الرجل الذي راح ينصت لما أقول من احتمالات.. إما وإما وإما.. كان يبدو بلا تعبير سوى الذهول الذي تحول إلى استسلام مخلوط بشفقة.. شيء من هذا.. وما كان منه إلا ان أشار لزوجي مناديا.. يا استاذ يا استاذ.. ، حينها جاء زوجي وأعطاني الكيس وقال لي مرة أخرى.. إجمدي..

** في غرفة الحجز وقبل أن يغلق علي الباب سمحوا للسائق بالدخول .. جاء ببطانية وكيس آخر فيه عصائر وساندويتشات.. وبدا عليه التأثر فانحنى على رأسي وقبلها وهو يكاد يبكي.. ضحكت وقلت له.. مفيش حاجة يا أيمن أنا حانام علطول.. خرج بينما سمعت ذلك الصوت المريع.. صوت ترباس (مزلاج) الباب وهو يجر بقوة ليغلق الباب..

** في البداية كان الشيء الأكثر إثارة للنفور هو رائحة الغرفة.. كنت وحدي فيها.. لكن لأن المبنى كله حديث البناء كان بلاط الأرض جديدا نظيفا نوعا ما.. كان البرد قارصا إلى أقصى حد.. بدأت أرتجف.. بلاط الأرض شديد البرودة كأنه ألواح من الثلج المرصوص.. قمت بثني البطانية أكثر من مرة ووضعتها على الأرض وجلست فوقها.. ما زالت الأرض باردة وأكتافي ترتجف من البرد.. لففت البطانية حول كتفي لكنني لم أحتمل برد الأرض.. كانت الساعة حوالي الثامنة.. قلت لنفسي يا إلهي الثامنة.. ماذا أفعل هنا حتى التاسعة من صباح الغد؟ ليس بحقيبتي كتاب.. ليس معي جرائد.. ليس معي هاتف.. أبدل البطانية بين كتفي تارة والأرض تارة أخرى.. منذ خرجت من الفندق صباح اليوم متوجهة إلى النيابة.. لم استعمل الحمام.. حانت مني التفاتة إلى الحمام الجانبي الموجود بغرفة الحجز.. ابتسمت.. الحكومة أصبحت تراعي مواصفات السجون الحديثة!.. قديما كنت أقرأ أن الزنازين وغرف الحجز لا يوجد بها حمامات وإنما جرادل! هذا إذن قسم حديث البناء يخضع للمواصفات الدولية.. أرضية سيراميك وحمام جانبي.. قمت إليه.. لكنني قررت العودة والتحمل حتى أذهب إلى النيابة في الصباح.. الحمامات هناك آدمية نظيفة بل أنيقة..

** يمر الوقت بطيئا.. لا مفر من الخضوع للأمر الواقع واستعمال ذلك الحمام.. تحاملت واستعملته فأنهيت التفكير في مسألة الحمام.. الآن بدأ البرد القارص يهزمني.. رحت ارتجف وارتجف وارتجف.. وبدأ تفكيري من البرد القارص يتشوش.. أقف فلا احتمل الوقوف.. أجلس فلا احتمل الجلوس.. فكرت أن أدق على الباب.. لكن كرامتي منعتني.. تذكرت أم كلثوم(عزة نفسي مانعاني)!.. حاولت الأكل لكن لم تكن لدي تلك الشهية.. شربت عصير.. ودخنت كثيرا.. أي إغفاءة لم تدم لأكثر من دقيقتين.. البرد شديد، حتى فوجئت حوالي الواحدة ليلا بأحدهم يفتح الباب ثم يتوقف قليلا قبل الدخول.. وقفت.. فسمعت صوته دون أن أراه.. يقول: هويدا؟ قلت.. نننعععممم.. كنت قد وصلت إلى درجة من الارتجاف من شدة البرد لا استطيع التحكم فيها.. عضلات وجهي وشفاهي ترتجف بعنف.. جسدي يرتجف.. أشعر بأن الأرض نفسها ترتجف حولي.. همهم الرجل.. يبدو أنه مأمور القسم.. رجل كبير السن نسبيا.. فتح الباب بالتدريج وقبل أن يظهر سأل أدخل؟ قلت له نعم.. دخل ونظر نحوي وسألني.. إنت هنا ليه؟ قلت له والكلمات تخرج مني غير مفهومة بسبب الارتجاف الشديد إن النيابة أمرت باحتجازي لاستكمال التحقيقات صباحا.. قال قضيتك إيه؟ قلت له: أأأمممننن ددددوووللة.. نظر نحوي ثم التفت نحو آخرين كانوا خارج الغرفة وقال بحنو بالغ: إيه ده.. إيه ده.. دي حتموت من البرد.. هاتوها" أخذوني إلى مكتبه وهناك راح يصب لي الشاي والقهوة مرة تلو الأخرى وأخرج لي زميله من حقيبته قفازا من الصوف وغطاء رأس من الصوف أيضا وقال ضاحكا:" دول جداد.. لو مراتي عرفت إني عطيتهم لواحدة ست.. حتخرب بيتي" ثم نادى على أحد عساكره وقال له" روح ياابني اشتريلها بطانية جديدة".. كان الشريط الإخباري على قناة الجزيرة يمر بعبارة"نيابة أمن الدولة العليا المصرية تحتجز الزميلة هويدا طه لاستكمال التحقيقات معها غدا" سألني بضعة أسئلة ثم قال لي الرجل الأكبر سنا" معلهش.. قانونا لازم تكوني في الحجز لكن واحد من العساكر حيفرشلك سجادة ويفرش فوقها بطانيتك ولفي نفسك بالبطانية الجديدة اللي حتيجي حالا" شكرته بصدق.. وعدت مع أحدهم إلى غرفة الحجز.. بالفعل تم ما قاله مأمور القسم.. الذي لحق بي ومرة أخرى طرق الباب وانتظر لحظات قبل أن يدخل.. قال لي لو عايزة أي حاجة خبطي على الباب" ثم خرج وأغلق الباب..

** بدأت أشعر بالدفء.. بعد أن أخرجت البطانية الجديدة من كيسها.. كانت صحيح من النوع الرخيص الذي يترك وبرا على ملابسك لكنها كانت جديدة نظيفة.. ثم ركنت على الحائط ورحت أفكر فيما جرى معي في النصف ساعة الأخيرة.. هؤلاء الضباط كانوا رقيقين معي للغاية.. بالطبع يبدو علي أنني لست نشالة أو هجامة أو داعرة أو مجرمة.. بالطبع تابع بعضهم على الأقل الفضائيات خلال النهار وعرف طرفا من قضيتي.. لكنهم كانوا دافئين.. ما فعلوه معي لم يكن مطلوبا منهم أصلا.. رحت أفكر في هذا الشعب العجيب.. الشعب المصري.. كم كنا نغضب حينما نجده يوصف تاريخيا أنه (شعب طيب عاطفي).. كنا نظنها تقليلا من شأن المصري.. يا إلهي.. الشعب المصري بالفعل لا يميل إلى العنف والدموية.. فماذا حدث .. لماذا يوجد هؤلاء الضباط المتوحشون؟ الذين يحرقون أجساد الغلابة ويقطعون أوصالهم ويقتلون بعضهم.. الإحصاءات مخيفة.. عدد الشكاوى مرعب.. عدد القضايا المرفوعة في المحاكم ضد ضباط شرطة هو عدد مخيف.. الضحايا في غالبيتهم الساحقة.. من الفقراء البسطاء الذين لا يهتمون بالسياسة وإن زلزلت أرض السياسة زلزالها تحت أقدامهم.. تذكرت أحد اللقاءات التي سجلتها للبرنامج مع عالم إجتماع.. الدكتور علي فهمي.. سألته هل الطبقية تعكس نفسها في نوعية المواطن الذي يعذبه أو يذله أو يهينه ضابط الشرطة.. فقال لي.. "كان زمان فيه عبارة شهيرة قوي.. تقول.. لا يدخل المساجد والمحاكم إلا الفقراء"، قلت لنفسي.. ربما كنت على حق حين كتبت في النص الذي أعده للبرنامج عبارة " قد يجد المواطن من ينصت لشكواه.. لكن الشرطي أيضا.. قد تكون له شكواه فمن ينصت له؟" شعرت بالرضا أنني كتبت ذلك في نصي قبل أن أمر بتلك التجربة.. يا الهي متى ينتهي هذا الكابوس من مصر.. تذكرت وصف أحد من سجلت معهم لجريمة التعذيب بأنها.. جريمة قذرة.. سرى الدفء في جسدي.. سمعت ضوضاء بالخارج.. فتحت عيني.. فرأيت نور النهار من فتحات نافذة غرفة الحجز.. نمت إذن.. وبعمق.. انتهت إذن.. ليلة الحجز..

** طرق أحدهم الباب وانتظر قليلا ليمنحني فرصة أن أقوم وأعدل ثيابي.. أخذني إلى مكتب القسم الرئيسي.. وهناك شربت شايا وأراني أحد الضباط جريدة الأخبار.. كان الخبر يقول (القبض على معدة البرامج من قناة الجزيرة.. كانت تفبرك برنامجا يسيء إلى سمعة البلاد) ابتسمت.. ولمحت ابتسامة.. مماثلة تماما لابتسامتي.. كانت تتأرجح على شفاه الضابط.. قال ربنا معاكي..

** ومرة أخرى وضعوني في سيارة الترحيلات الزرقاء للعودة بي إلى النيابة .. هذه المرة ركب معي في تلك السيارة المصفحة ثلاث ضباط .. كلهم تقريبا من عمر ابني الذي بلغ العشرين.. يكبرونه بعامين أو ثلاث.. تجاذبت معهم أطراف الحديث.. غلبتني الأمومة في حديثي معهم.. كانوا متحفظين.. يبدو على وجوههم الذعر كلما حاولوا الفضفضة معي.. فيلوذون فورا بالصمت.. يا الهي ماذا يفعلون بهؤلاء الصغار؟ لكن عيونهم كانت تحكي الكثير.. قرأتها ثم ساورني سؤال.. ماذا سيكون عليه هذا الضابط الغض بعد عشر سنوات؟!.. الإجابة المتوقعة مخيفة.. لم أرد التفكير فيها.. واكتفيت بالغوص في عيونهم الشابة بل الغضة.. ثم لم استطع منع الشعور بالشفقة عليهم من يوم سيأتي عليهم يصبحون فيه.. متوحشين..

استكمال تحقيقات النيابة
** بنفس الطريقة التصقت سيارة الترحيلات المصفحة بمدخل مبنى النيابة.. وصعد معي الضباط الشباب إلى الطابق الذي تتم فيه التحقيقات.. بقينا واقفين في الممر.. لم يوافقوا على أن أجري اتصالا مع زوجي أو مع حسين عبد الغني.. يمر الوقت .. الشباب صامتون.. ومازالت عيونهم تروي لي قصتهم.. قصة خوفهم من باشوات لاظوغلي.. الذين يقهرون المواطن الضعيف ويقهرون الضابط الصغير.. يمر الوقت.. معزولة عن العالم.. عن الجميع.. إلى أن جاء المحامي أحمد حلمي.. قلت له أرجوك اسدي لي معروفا وانزل إلى الساحة أمام المبنى ستعرف كيف تجد زوجي وأحضر لي الموبايل.. كان المحامي الخلوق سريعا في استجابته.. وعندما جاء بالموبايل قلت للضابط تسمحلي طيب أتكلم من تليفون المحامي.. اعتذر بخجل.. قال له المحامي روح استأذن من رئيس النيابة.. ذهب وعاد بالموافقة.. أخذت موبايلي من المحامي وكلمت زوجي وسمير عمر.. ثم التفت جانبا وألقيت بالموبايل في حقيبة يدي.. حسنا.. الواقعة ترضي الطرفين.. الضابط لم ير الموبايل وهو يسقط في قاع حقيبتي.. أو هكذا أراد.. وأنا لم أؤذه.. هذا الشاب الغض.. الذي سيكون وحشا في غضون سنوات..

** بدأت التحقيقات حوالي الواحدة ظهرا.. كنت قد اكتسبت خبرة وثقة من تجربة الأمس.. بمجرد جلوسنا.. كان الجاكت الذي أرتديه قد امتلأ في كل زواياه بوبر بطانية قسم القاهرة الجديدة.. قلت للمحقق وأنا ابتسم ولا أنظر نحوه "يا محمد بيه.. إمبارح بالليل وأنا في.. صومعتي.. رتبت عدة نقاط أريد تسجيلها في المحضر" ضغطت على حروف كلمة صومعتي.. وصلت إليه رسالتي المشاكسة.. استجاب ببسمة محسوبة.. لكنه ظل محتفظا بهيبته طوال الوقت، قال :" عايزة تقوليها دلوقتي واللا في نهاية التحقيقات" قلت له أفضل في الآخر.. وبدأت التحقيقات والتي دارت أغلبها هذا اليوم لا على المشاهد التمثيلية وإنما على تقرير لجنة المصنفات الفنية.. بالفعل استفزتني (تفاهة وركاكة) هذا التقرير.. حتى أنني استشعرت أن المحقق نفسه وهو يقرأ لي من تقرير لجنة المصنفات يشعر تجاهه بنفس الشعور.. لكنه كان يقول لي كل مرة:" يقول تقرير لجنة المصنفات كذا.. ما قولك؟ وكنت أجيب بحجج قوية لا لشيء إلا لأنه تقرير تافه أصلا يفتقد حتى إلى الحبكة.. هيافة ما بعدها هيافة.. قال المحقق ورأسه منخفض يقرأ من ذلك التقرير:" يقول التقرير إنه قد تم (ضبط) نسخة من الدستور المصري على جهاز الكمبيوتر الخاص بك إضافة إلى مادة بحثية عن حركة كفاية وعدة أفكار لبرامج أخرى .. ما قولك؟ بالفعل لو كنت مكان المحقق لألقيت بمثل هكذا تقرير إلى أقرب سلة مهملات.. لكن الرجل يؤدي عمله.. بدأت أشعر بالغضب من هيافة تقرير الصنف هذا.. حانت مني التفاتة إلى المحامي فرأيته يستعمل الجاكت لأول مرة منذ أوصاه حسين.. أشار بأصابعه أن إهدئي شوية.. تجاهلته وتجاهلت كل المحامين الذين راحوا يقولون مفيش داعي للتوتر إنت ماشية ممتازة وكل كلمة قلتيها كانت في صالحك.. تجاهلتهم جميعا والتفت نحو المحقق وقلت له بتحفز:" يا سيدي أنا مش بياعة فجل.. أنا باحثة وكاتبة وقارئة ويحق لي أن احتفظ بما أشاء من بحوث على الكمبيوتر بتاعي.. وبعدين لو فيه مادة أو قانون يحظر علي الاحتفاظ بالدستور على جهاز الكمبيوتر فأعلموني بها الآن.. " راح المحامون يشيرون لي بالهدوء.. فتوجه المحقق نحو الكاتب قائلا اكتب( أنا باحثة وقارئة و..) فأوقفته وقلت له :" لأ.. اكتب ما قلت اكتب أنا مش بياعة فجل أنا..." نظر الكاتب نحو المحقق فأشار إليه مبتسما وقال له:" أكتب ما تقوله لك".. فرحت أملي عليه ما أريد.. فقال أحد المحامين.. تمام .. إنت متوترة ليه.. كلامك ممتاز.. لم يعلق المحقق وترك الفرصة للمحامين للكلام معي كما يريدون.. التفوا حولي.. قالوا ده تقرير المصنفات.. إنت ردودك رائعة وأكثر من ممتازة.. خلاص.. متوتريش نفسك.. حجتك أقوى.. كملي بهدوء..

** لم يدرك أي من الحاضرين أن ما شعرت به لم يكن توترا.. كان (قرفا) من الهيافة التي صبغت تقرير لجنة المصنفات.. لا أدري أي مصنفات أو أصناف تلك التي يتعاملون معها.. استمر المحقق يتلو علي من التقرير ويقول ما قولك وأنا أجيبه.. حتى أوشكنا على الانتهاء من التحقيقات.. راح يخرج إلى الغرفة المجاورة.. ويعود.. ويستكمل تلاوة تقرير الهيافة إياه.. حتى كدت أشعر بالشفقة عليه هو نفسه من هذا التقرير البائس الركيك.. لقد كان هذا الرجل دقيقا وذكيا طوال التحقيق.. وكنت استشعر ذكاءه وهو يستولد الأسئلة من إجاباتي ذاتها.. وبدأت أفهم خطته في التحقيق.. فدخلت معه في مباراة تذاكي متبادلة.. لكن سلاحي الأمضى كان هو قول الحقيقة.. لذلك شعرت بنفسي قوية.. ولذلك شعرت أنني أربأ بهذا الرجل أن يتلو مثل هكذا تفاهات فرضت عليه من تقرير أقل ما يقال عنه إنه (تقرير عبيط)!

** حول السادسة قال المحقق إنه انتهى الآن من التحقيقات وسألني: عايزة تقولي حاجة تاني هل لديك أقوال أخرى؟ قلت نعم.. ثم توجهت نحو الكاتب ورحت أملي عليه مباشرة.. تراجع المحقق إلى الوراء في مقعده وراح ينصت مبتسما نصف ابتسامة.. وراح المحامون ينصتون.. وتعمدت ألا التفت إليهم.. حتى لا يوقفني أحدهم.. ورحت أقول.. أولا.. وأملي عليه بعض الأشياء ثم ثانيا وثالثا ورابعا وهكذا استمريت أملي عليه بينما يتدخل المحقق أحيانا ويقول لأ دي خامسا بقى.. أقول آه.. معلش.. سابعا ثامنا.. وهكذا حتى انتهيت، عاد إلى الأمام وقال: أظن خدتي حقك في الأجوبة فقلت له وإنت أخذت حقك في الأسئلة.. أشار لي المحامي حينها بعينه إشارة معناها أنني بهذا أتجاوز، ابتسمت وسكت.. قال المحقق:" هل لديك أقوال أخرى" قلت.. لا إخلاء سبيل بكفالة

** أملى على كاتبه:" وقد قررنا إخلاء سبيل المتهمة بكفالة عشرة آلاف جنيه.." قفز المحامون وقال أحدهم ياريت يا افندم يكون الإفراج من هنا مش من القسم.. قال طيب بسرعة ادفعوا وهي تخرج مباشرة من هنا.. احنا أخلينا سبيل حسين عبد الغني مرة بعشرة آلاف .. المرة دي لازم نخلي سبيلها بعشرين ألف.. كان الجو قد بدأ ينفرج.. فقلت: ليه؟.. للذكر مثل حظ الأنثيين.. حسين أفرج عنه بعشرة.. إفرج عني أنا بخمسة..، حينها أشار لي أحد المحامين متوسلا أن (ألم الدور وأبطل كلام).. استسلمت لهم وخرجت معهم.. وجرى أحدهم ليستعجل وصول المبلغ قبل مغادرة المحقق..

** بعد دفع الكفالة انتظرت قليلا في الدور السفلي إلى أن أبلغت أنني خلاص خارجة.. وجاء ورائي أحدهم يعطيني البطانية التي جاء بها زوجي إلي في القسم الليلة الماضية.. أخذتها منه وخرجت بها فكان أول من لاقاني هو السائق الذي ارتمي علي وأخذ مني البطانية ثم احتضنني.. توجهت مباشرة نحو زوجي.. الذي أخذني سعيدا إلى السيارة .. وانطلقنا مباشرة نحو الإسكندرية..

** طوال الطريق كنت أفكر فيما حدث واسترجع اللفتات والنظرات والتلميحات التي كانت تدور في غرفة التحقيقات .. تذكرت المحامين الذين أعطوا كل هذا الوقت ليحضروا معي التحقيقات متطوعين.. كانوا رائعين.. حتى المحقق نفسه كان رائعا.. لا أعرف لماذا لا أحصل على أي تعليق عندما أقول عنه هذا.. لا بأس.. لعلني قليلة الخبرة في هذا الشأن.. بل أنا بالفعل كذلك..الشيء الوحيد الذي ضايقني حقا هو تقرير الصنف هذا.. الذي كان منتفخا عبطا وهيافة.. عاد حزني على الكمبيوتر يعتصرني.. تذكرت لحظة قلت للمحقق بعد أن انتهت التحقيقات:" كمبيوتري حيرجعلي؟ قال مبتسما:" اللي اقدر اوعدك بيه.. إن أنا مش حاخده"!

السفر إلى الدوحة
** في اليوم التالي لم يتوقف هاتفي عن الرنين.. قلت للصحفيين أنني لم ألتق بعد بالمحامي حتى أعرف منه بم أصرح وما الذي يجب ألا أقوله إلى أن تنتهي هذه القضية.. وبدأت أفكر في الاستعداد للسفر.. لملمت حقائبي.. مازال حزني على الكمبيوتر يضغط على رأسي.. حزينة أنا لفقدي كتبي.. هكذا ببساطة.. ألقيت كتبي في أحد أركان تلك (المصنفات) من المؤكد أن أحدهم لن يقرأها.. فمن يكتب كلاما مثل ما كتب في ذلك التقرير فاقدا لأي منطق وأي معنى.. هو بالتأكيد شخص لا يقرأ.. فماذا سيفعلون بكتبي.. ربما سيفترشونها على مكاتبهم في الصباح ليضعون عليها سندويتشات الفول والفلافل والمخلل.. لابد أن هذا هو أقصى ما يعرفونه عن فوائد الكتب.. أما الكمبيوتر.. لا لا .. أنتفض.. لن أتركه لهم.. كل شيء في هذه القضية كوم.. ولاب توبي.. كوم تاني!
** توجهت من بيتي المجاور للمطار في الإسكندرية إلى المطار مباشرة.. لو أنهم أصدروا قرارا بمنعي من السفر فلن أعرف إلا وأنا أسافر.. هكذا هم.. يتلذذون بهذا الأمر.. ليس أمامي سوى.. المحاولة.. التجربة، في المطار سارت الأمور بشكل طبيعي.. ختم جواز سفري مرة أخرى خلال أيام.. جلست في المقهى وزوجي ينتظر خارج المطار متوقعا إعادتي أو عودتي بقرار منع من السفر.. رحت أشرب القهوة وأنا أتذكر أسماء شركائي من الداخلية وأمن الدولة في جريمة (البرنامج) الذي لم ينته أصلا وبالتالي لم يبث من الأساس.. ومع ذلك صنعوا منه قضية (إساءة لسمعة البلاد).. ما أذكاهم! عّن لي أن اتصل بأحدهم لأخرج له لساني في التليفون وأقول له: فشنك!.. قضيتكم فشنك! ولكنني تراجعت.. استرجعت خطتي التي كنت أعدها عند سفري أو محاولة سفري الفاشلة في المرة الماضية.. خطة النوم لعدة أيام..

** حتى وصولي إلى باب الطائرة وأنا أعتقد أنهم سيأتون.. لكن الطائرة أغلقت أبوابها وبدأت تزحف.. فأرسلت إلى زوجي رسالة أخيرة.. قبل إغلاق الهاتف بأمر طاقم الطائرة.. أحبك.. أنا خلاص.. مغادرة!
** في الطائرة رحت أقرأ في رواية (لا أحد ينام في الإسكندرية) التي أهدتها لي ابنتاي قبل مغادرتي.. قرأت قليلا قبل أن أكون أول المكذبين لإبراهيم عبد المجيد مؤلف الرواية!.. إذ أنني سكندرية.. لكنني رحت في نوم عميق وعلى حجري رواية.. لا أحد ينام في الإسكندرية..

الدوحة.. الدوحة
** هذه المدينة يربطني بها نوع خاص من العشق.. أحبها.. بلا سبب! أحب نسبها إلي.. أقول دوحتي.. أقول جزيرتي.. أحبهما كليهما.. الدوحة والجزيرة.. اشتقت إلى أصدقائي.. كانت الأحداث في مصر متلاحقة حتى ظننتها دهورا مرت علي.. تلك الأسابيع التي قضيتها أعد لهذا البرنامج.. دخلت إلى شقتي أتحسس أشيائي.. كم من الأزمنة غبت عنكم.. كنبتي المفضلة.. كوبي المفضل.. حانت مني التفاتة إلى مكان الكمبيوتر.. عاد الألم يعتصرني.. سوف أشتري واحدا آخر غدا.. لكن موادي التي كان يحفظها لي الكمبيوتر الآخر.. لا بأس.. الحزن أول درجات الانكسار.. لن أنكسر.. بعد دقائق.. رن هاتفي وقال أحدهم إن اسمه طارق يونس معد برنامج القاهرة اليوم مع عمرو أديب من تليفزيون أوربت.. وإنني بعد دقائق سأكون معه على الهواء للتحدث في الأمر.. وسيكون معي أيضا مدير إدارة البرامج في قناة الجزيرة عارف حجاوي.. لم أرفض.. وعلى الهواء حكيت في خمس وثلاثين دقيقة قصة (فخ الداخلية) العبيط الذي أعدوه لي.. بعد هذا اللقاء لا أعرف ماذا حدث.. كل ما أذكره أنني نظرت في الساعة فوجدتها الواحدة ظهرا.. اليوم التالي إذن..

** في الجزيرة سلم علي الأصدقاء بحرارة.. وبدأت التعليقات المازحة (أكيد الداخلية المصرية اتعرضت على إيديكي لعملية تعذيب)! (إحنا كنا ناويين نرسل للداخلية المصرية نداء نناشدها الإبقاء عليك)! (كنا خلاص على وشك نجهز على الشريط الإخباري عبارة تضامنوا مع هويدا طه ، وسامي الحاج وتيسير علوني) (إنت خرجتي إزاي من مصر.. أكيد الداخلية عملت نفسها مش شايفاك وإنت مسافرة عشان تخلص منك)! إلى غير ذلك من مزاح الأصدقاء الذي أعاد الدفء إلى أيامي..

** بعد أيام أبلغني أحد الأصدقاء أن مقالا رهيبا في مجلة روز اليوسف كتبه أحدهم باسم أشرف محمود يقول عني أشياء غريبة.. ناولني المقال.. قرأته.. محاولة تسفيه لشخصي لا مبرر لها إلا أن أحدهم ينهش صدره الغل مني.. عرفت والكل عرف أنه لابد أن يكون شخصا عاملا في قناة الجزيرة منذ فترة.. لابد أنه مصري يتعامل مع الأمن.. مرشد مباحث.. ففي قناة الجزيرة تزرع مخابرات كل الدول العربية عناصر لها.. وهو رجل يضيق ذرعا بوجود (أنثى متفوقة عليه) في مجال عمله.. أراد أن يقلل من قدري في مجلة معروف أنها (مجلة مباحث) فراح يضفر عدة معلومات حقيقية عني بهذيان.. كشف مدى ضيقه بتفوق امرأة عليه.. هكذا ببساطة.. انتقى أكثر الصفات التي عُرفت عني في الجزيرة وبين الأصدقاء وقلبها مئة وثمانين درجة.. فما الحل مع مرشد المباحث هذا ومجلة المباحث تلك.. التجاهل هو الحل..

** نصحني الكثيرون ومنهم المحامون ألا أعود لكتابة مقالي الأسبوعي في جريدة القدس العربي إلى أن تنتهي القضية.. لا لا لا.. إلا الكتابة.. لا يأملن أحدكم أن يمنعني منها ولو خوفا علي.. كيف هذا.. ما أنا إلا كاتية وأشياء أخرى.. هذه قضية فشنك! سوف ترتد على باشوات لاظوغلي الذين فبركوها.. لم أفبرك أنا مشاهد تسيء إلى سمعة البلاد وإنما فبركوا هم قضية فضحتهم بجلاجل في العالم..

** كتبت مقال العودة لعمودي الأسبوعي (فضائيات) في القدس العربي.. وبينما استعد للعودة به بتاريخ 7يناير عرفت أنه قد تمت إحالتي إلى المحكمة وهي محكمة جنح أمن دولة.. وأن الجلسة الأولى هي يوم 7يناير.. يا للصدف.. لا .. الكتابة والمحاكمة.. لا لا .. هذه نقرة وتلك أخرى... الكتابة هي شأني هي أنفاسي التي أشعر بقيمتي الوجودية من خلالها.. لتبدأ المحاكمة إذن.. ولكن بعيدا عن قلمي..

** سألتني إحدى الصديقات:" يا اختي ليه الغلب داكله.. إيه اللي يخليكي تهتمي بالتعذيب والداخلية وكل المواضيع الفتاكة دي.. ماانت دخلتي القسم وبتقولي الضباط كانوا طيبين معاكي يبقى مالك ومال التانيين اللي الضباط مش طيبين معاهم.. اعملي برامج سياحة.. برامج أزياء.. برامج مفيهاش وجع قلب".. الحقيقة أن تلك الصديقة أثارت في نفسي هذا السؤال بالفعل.. لم أجد إجابة مباشرة.. لم أجبها لحظتها.. بل ضحكت وقلت لها" داء بعيد عنك".. لكنني كنت أقرأ ذات الليلة بعض أشعار أبو العلاء المعري.. استوقفني بيت.. لم أجد إجابة أكثر اختصارا منه.. رغم أن هدف المعري أصلا من هذا البيت كان مختلفا تماما.. نام هذا البيت في أحضاني..
لو أني كلبُ.. لاعترتني حَمِية ٌ.. لجَروي.. أن يلقى كما لقي الإنسُ
فقط لو استبدلت كلمة (الإنس) بكلمة (المصري).. لعرفت لماذا بات هذا البيت في حضني..
لو أني كلبٌ .. لاعترتني حَمِية ٌ.. لجَروي.. أن يلقى كما لقى المصري..
هويدا طه
[email protected]

* مقال للكاتبة نشر على حلقات في جريدة القدس العربي بدءا من 8فبراير 2007م.
وهو يصور معاناتها في أثناء إعداد برنامج عن التعذيب في مصر ، ثم تعرضها لمصيدة رجال البوليس الذين أخلوا بتعهدهم في مساعدتها ، وألقوا القبض عليها وتم تقديمها للمحاكمة.