skip to content

حرية الصحافة يوم مقاطعتي لياهو

بقلم هشام قاسم
في هذا المقال يحكي لنا هشام قاسم كيف أصبح من جديد مناضلا من أجل حرية الصحافة.

توقفت عن الإهتمام بقضية حرية الصجافة منذ حوالي ثلاثة أعوام وذلك بعد أن ترسخ لدي إعتقاد بأن المسألة أصبحت تحصيل حاصل وأن الأنظمة الشمولية التي قمعت الصحافة وحولتها إلى مسخ لعقود أصبحت في طريقها للمغادرة بلا عودة وأن الدمار الذي ألحقته بهذه الصناعة أصبح هو الأولى بالإهتمام كي تقوم صناعة حقيقية عفية في غنى عن التسول بعد اختفاء الأنظمة التي أطعمتها لعقود طويلة. وبالإضافة إلى ذلك وضعت رهان على التطور التكنولوجي الذي رأيت فيه أقوي حليف للحرية متمثلا في الشبكة الدولية للمعلومات التي نعرفها بإسم "الإنترنت" وكلما مضى الوقت تأكدت من صحة أختياري. ومنذ حوالى أسبوعين وفي مائدة مستديرة شاركت فيها في القاهرة سألني أحد المشاركين الأجانب عن تأثير قناة الجزيرة على الإعلام في العالم العربي فأجبت قائلا "يبدو أنك تخلفت عن متابعة التطورات الحاصلة الأن في المنطقة؛ وشرحت له أن أهم تطورات حرية التعبير هي ظاهرة المدونين والصحافة الشعبية التي تتيح لأي مواطن يحمل تليفون محمول ولديه القدرة علي إستخدام جهاز كمبيوتر أن يدلي بدلوة ويشارك في المنظومة المعلوماتية وأبسط مثال على ذلك هي أفلام التعذيب وغيرها من أفلام تسببت للنظام المصري في حرج من ممارساته أكثر من فضائيات المنطقة وصحف مصر المستقلة مجتمعه.

ويوم الإثنين الماضي كنت في مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا لحضور المؤتمر السنوي للإتحاد العالمي للصحف حيث يتم تسليم جائزة القلم الذهبي التي تمنح سنويا لأحد الصحافيين الذين عانو من أجل حرية التعبير.
وكثيرا ما حضرت مناسبات مماثلة وبالطبع تكون مراسم التسليم مؤثرة ولكن حالا ما تمضي وأعود إلى إنشغالي بالإدارة الصحفية إستعدادا ليوم تزول فيه الأنظمة وتقوم فيه الصحافة على المنافسة الشريفة. لكن ما حدث يومها هو أمر لن أنساه ما حييت.
كان الإتحاد قد أعلن أن الفائز بجائزة هذا العام هو الصحفي الصيني شي تاو الذي يقبع في السجن منذ ثلاثة سنوات بعد أن وشت به شركة ياهو ومكنت الحكومة الصينية من معلومات أثبتت أن شي تاو قد أعاد أرسال نص تعليمات أصدرها الحزب الشيوعي الصيني الحاكم تحذر الصحافيين من الكتابة عن مذبحة ميدان "تيان من" التي إرتكبت ضد طلبة تظاهروا طلبا للحرية منذ ?? سنة. وبالطبع أعتبرت الحكومة الصينية هذا التوجيه الصحفي السخيف من أسرار الدولة وتم توجيه إتهام للرجل وحكم عليه بالسجن لمدة عشرة سنوات وبتالي لم يكن من الممكن أن يتسلم الجائزة صاحبها وأتت والدته بدلا منه وهي سيدة بسيطه تقدمت إلى المنصة لتسلم الجائزة وهي ترتعش ثم ألقت كلمة قبول الجائزة وقالت وهي تتحدث عن إبنها "إنه لم يفعل إلا ما هو واجب على أي صحفي شجاع. ولهذا السبب حصل على مساندة وتعاطف زملإه من كل أنحاء العالم الذين يقيمون العدل، زملاء قلقون على شي تاو الذي فقد حريته وزج به في السجن".

وفجأة وجدت الدموع تنهمر من عيني وتلفت حولي لأجد أن أغلب الحاضرين يفعلون نفس الشئ وشعرت بالخجل من نفسي وتساءلت "كيف سمحت لنفسي بأن أحيد عن طريق أخترته لنفسي ومشيت عليه سنوات طويلة؟ كيف ألهاني إهتمامي بالإدارة الصحفية عن جوهر الصحافة وهو الحرية ؟ كيف صدقت أن فضاء الإنترنت العريض كفيل في حد ذاته أن يؤمن الحرية وأن أعدائها لن يجدو طريقا لمحاربتها فيه؟ لقد استغلت الحكومة الصينية نهم شركة ياهو كغيرها من الشركات الكبرى للفوز بحصة من السوق الصينية و أجبرتها على القيام بدور المخبر الورقي الكلاسيكي الذي يقوم بالوشاية بزملاءه من أجل مغنم خاص ومازلنا نعاني منه في مجتمعاتنا والفارق الوحيد أننا كنا أمام مخبر من نوع جديد مخبر "ديجيتال" أو رقمي.
وقد خسرت شركة ياهو كثيرا من هذا التصرف الخسيس وذلك بعد أن قاطعها الكثير من مستخدمي شبكة المعلومات في شتى أنحاء العالم مما أثر سلبا علي سعر اسهم الشركة.

وأنا شخصيا قررت أن أتوقف عن إستخدامها وإلغاء بريدي الإلكتروني بها وأن أتحول إلى شركة جديدة ولن يكون هذا التحول هو تذكية لهذه الشركة الجديدة بل رسالة أنني أتيت إليها لأن سابقتها لم تحترم أبسط قواعد حرية الكلمة وإنني على استعداد للتوقف عن استخدامها إذا ما فعلت شئ مشابه حتي لو أضررت أن أتوقف نهائيا عن استخدام البريد الإلكتروني والعودة إلي البريد الورقي في مراسلتي بل العودة إلى الحمام الزاجل الذي استخدمه أجدادنا إذا استلزم الأمر.

وإلى شي تاو اعتذاري عن هذا التضمان الذي جاء متأخرا وإلى السيدة والدته جاو قينشنج التي آتمنى ألا تكون قد تعرضت إلى إجراءات قمعية فور عودتها، الشكر والإمتنان لشجاعتك التي أعادتني إلى الطريق القويم مرة أخرى.

هشام قاسم مديرالنشر و معلق مصري.
نشر هذا المقال أول مرة في الجريدة اليومية المصرية الدستور.
منقول عن الشبكة العربية للصحافة
http://www.arabpressnetwork.org/articles.php?id=1206&lang=ar