skip to content

قصور إدارة الأزمات في مصر

كتب : أشرف إبراهيم
بوجهٍ عام يُقصد بالأمن القومي كتعريف أَوًّليٍّ أو كلاسيكي تلك الأمور والقضايا المتعلقة بحماية الدولة وبقائها وضمانة أمن حدودها المحيطة، وكذلك الفضاء التابع لها جوًّا وبحرًا لو كانت هذه الدولة تمتلك شواطئ على البحار المفتوحة، ويُدخل بعض علماء الإستراتيجية الدولية- مثل ليدل هارت- قضية الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل منابع نهر النيل بالنسبة لمصر، وتأمين مصادر المياه للدولة.

وهذا التعريف تتفق معه دائرة المعارف البريطانية التي قالت إن الأمن القومي هو "حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية" أو كما قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إن مفهوم "الأمن" يعني "أيّ تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء".

وهذا التعريف- كما يقول الدكتور‏ بهجت قرني (أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة مونتريال‏ الكندية‏ والجامعة الأمريكية بالقاهرة)- يقصر تهديدات الأمن القومي على المناحي العسكرية البحتة والمصدر الخارجي‏ فقط، وبالتالي يقصر وسائل الدفاع عن الأمن القومي على الأداة العسكرية فقط والتسليح .

إلا أن هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وساهمت أحداث 11 سبتمبر في المزيد من التطوير لهذا المصطلح ومكوناته، مع تراجع التهديدات العسكرية للأمن القومي إلى مراتب أدنى لصالح تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية التي أدت في الكثير من الأحوال إلى تفتت دولٍ بأسرها واختفائها وظهور دول أخرى محلها .

ومنذ ظهور الدولة القومية على شكلها الحالي بعد اتفاقية (ويست فاليا) الموقَّعة في العام 1648م والتي أنهت مئات الأعوام من الحروب الدينية والمذهبية في أوروبا وتُعتَبر قضية "الأمن القومي" هي الأهم بالنسبة لأية حكومة أو سلطة سياسية حاكمة في أي إقليم مستقل وله سيادة على شعبه وأرضه، مع كون الدولة القومية ووجودها على قيد الحياة وتفعيل سيادتها على حدودها الجغرافية المعتمدة والمعترف بها- بما فيها من امتدادات في الجو والبر والبحر إن وُجدت للدولة حدودٌ بحريةٌ- نظرًا لأن ذلك هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، مع اعتماد الدولة القومية معيارًا أساسيًّا ووحيدًا لحركة السياسة العالمية.

وعلى أهمية هذه المسألة في صدد تسيير حركة السياسة العالمية وفي حالة الاستعمار الغربي المباشر لعدد كبير من بلدان القارات التي كانت الأقل تطورًا في السلم الحضاري كما في أفريقيا وآسيا وطيلة خمسة قرون كاملة (من القرن الخامس عشر منذ بدء حركة الكشوف الجغرافية في أواخره وحتى القرن العشرين بأكمله) حرص المستعمر الأوروبي على معرفة الحدود الجغرافية أو شبه الطبيعية للكيانات التي كان يحتلها والسعي، إما إلى الإبقاء عليها أو تعديلها على النحو الذي يدعم مصالحه، ولعل الحالة الأبرز في الاتجاه الأول هي النموذج الكويتي؛ حيث إن الحرص على حدود دولة الكويت ووجودها- أو الأمن القومي لها كما في التعريف الأولي له- هي إحدى مسلَّمات السياسة الغربية في المنطقة العربية والإسلامية لأسباب معروفة.. وليس هذا مجال تناولها، أما الحالة الثانية التي رسم فيها الاستعمار- وبوضوح- حدودًا مغايرةً للواقع السياسي والبشري على الأرض ومتطلباته هي اتفاقية "سايكس- بيكو" التي وُقِّعت في العام 1920م ورُسِم بمقتضاها مصير شعوب الجناح الشرقي كله للعالم العربي في العراق والهلال الخصيب.

وطبقًا للتعريف السابق فإن هناك مجموعةً من الاشتراطات المهمة بالنسبة لقضية الأمن القومي تقوم على أساس مبدأَي الإدراك والتنمية؛ حيث الإدراك هو معرفة طبيعة ممكنات الخطر الداخلي والخارجي، ثم رسم سياسة شاملة أو إستراتيجية محددة لتنمية قوى الدولة لمواجهة هذه التهديدات الخارجية والداخلية وفق سيناريوهات محددة، مثل القوات المسلَّحة، والاقتصاد القومي الشامل، وتأمين كافة مرتكزات الشأن المعنوي لدى المواطنين .

وعلى ذلك فإن قضية الأمن القومي قضيةٌ متنوعةٌ في أبعادها، فهناك المناحي الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك السياسية والعسكرية.. وغيرها، وتهتم بهذه الأمور مجموعةٌ من الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية المختصة .

من واقع مستجدات الحال في الساحة السياسية الدولية والصعوبات التي وُضعت في طريق استخدام الأدوات العسكرية في العمل السياسي الدولي- باعتبار أن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى- باستثناء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.. فإن الصراعات الإقليمية والدولية أصبحت تُثار وتُدار بطرق ووسائل أخرى، فهناك تهديد المصالح التجارية والمائية، وهناك محاولات التخريب وإثارة النعرات الطائفية أو التجسس.. إلخ .

كذلك هناك مجموعةٌ من مهددات الأمن القومي التي باتت تحتل أهميةً كبرى في موازين ومخططات الدول الكبرى ذات الإستراتيجيات بعيدة المدى، وهي تلك المتعلقة بالكوارث الطبيعية، والتي باتت في هذه الأيام ذات تأثيرات ضخمة للغاية على الأمن القومي للدول والكيانات السياسية بمعناه الواسع، فكارثة التسونامي- التي وقعت في أواخر ديسمبر من العام 2004م- أدت إلى اختفاء جزر مِن على الخارطة وتغيير خطط التنمية لدى الدول المنكوبة، كما أن إعصار كاترينا في الولايات المتحدة أدى إلى أزمة سياسية لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن .

بل إن التخطيط الإستراتيجي لمدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية يُعتبر نتاجًا لتنبؤات علماء الجيولوجيا الذين درسوا جيدًا صدع سان أندرياس الكبير في غرب الولايات المتحدة بعد سلسلة الزلازل الضخمة التي ضربت هذه المنطقة طوال عقود القرن العشرين؛ حيث توقَّعوا زلزالاً قوتُه تزيد على الدرجات الثمانية والنصف بمقياس ريختر في السنوات القليلة القادمة، فتم تعديل تصميم المدينة ووضع أكواد البناء فيها طبقًا لمعايير السلامة في مثل هذه الحالات .

وفيما يتعلق بالشأن المصري فإننا نجد أن أجندة الأمن القومي قد شهدت الكثير من التنويعات على هذا المستوى، فمن التحدي العسكري الصهيوني الذي انتهى بورقة كامب ديفيد فإن هناك الآن مجموعةً من الأُطُر المتعلقة بالأمن القومي وفق عدد من المؤشرات تُعتبر غائبةً، ربما عن وعي وتخطيط الحكومة المصرية في كثير من الأحوال، فهناك مشكلة جفاف منابع النيل في أثيوبيا وبناء سد مروي في منطقة الحماداب بشمال السودان، والذي سوف ينتهي البناء منه في العام 2008م، وهو واحدٌ من أضخم مشاريع المياه في القارة الأفريقية وتبلغ تكلفته المالية نحو مليارَي دولار وطوله تسعة كيلو مترات وارتفاعه 67 مترًا، وسيقام عند الشلال الرابع في نهر النيل الرئيسي على بُعد 350 كيلو مترًا شمال العاصمة السودانية الخرطوم .

وهناك كارثة زحف مياه البحر المتوسط على سواحل الدلتا الشمالية، والتي تُهدد بفعل ضعف ضخِّ مياه النيل باستيلاء مياه البحر على ثلث أراضي الدلتا، أي ثلث احتياطي مصر الإستراتيجي من أجود الأراضي الزراعية .

فتحت كارثة العبَّارة المصرية الغارقة "السلام- 98"- والتي راح ضحيتها ما يزيد على الألف من المواطنين المصريين- ملفًا مهمًّا في تفكير الأكاديميين والمهتمين بالشأن الاجتماعي والبيروقراطي في مصر، وهو ملف "إدارة الأزمات" كعلم رسمي معترَف به في غالبية دول العالم المتحضِّر، الذي تحترم السلطة الإدارية والسياسية فيه أولاً الأمانة التي وضعها الشعب والمحكومون بين أيديهم، وثانيًا آدمية المواطن وحقوقه أيًّا كان موقعه من الدولة والمجتمع ومهما صغر دوره أو كبُر .

وتُعتبر إدارة الأزمات حاليًا واحدةً من أهم معايير الأمن القومي؛ لأنها ذاتُ صلةٍ بحالات الطوارئ أكاديميًّا وإداريًّا، وتُعرَّف "الأزمة " على أنها "المرحلة الأعلى من المشكلة" أو "الإشكالية"، و"الأزمة" هنا تعني وصول "المشكلة" القائمة إلى درجة غير قابلة للحل، و"المشكلة" بالأساس تُعرَّف على أنها تَعَارُض مجموعة من الظروف المعينة؛ مما يؤدي إلى عرقلة سير الأمر- أيًّا كان- على النحو الطبيعي المتعارَف عليه، وتصل "المشكلة" إلى درجة "الأزمة" إذا ما حدثت درجة تعارض بين العوامل المسيّرة أو الظروف التي تشكِّل حدثًا أو فعلاً بعينه إلى درجة 90% من إجمالي حجم هذه العوامل .

ومبدئيًّا تُعرَّف إدارة الأزمات على أنها: "مجموعةٌ من الخطط والأساليب والإستراتيجيات والنشاطات الإدارية الملائمة لأوضاع استثنائية؛ بُغية السيطرة على المشكلات واحتوائها والحفاظ على توازن المنظمة أو المؤسسة أو الجهة التي تتعرض للأزمة ".

ووفقًا للدراسات الأكاديمية الموضوعة في هذا المجال من البحث فإن هناك عددًا من المرتكزات التي يجب أن تتوافر في صدد إعداد البيئة الملائمة لإدارة وعلاج أية أزمة، وهي :
- تطبيق إستراتيجية النظام المفتوح في التعامل مع الأحداث والظروف.
- الاعتماد على المجموعات المدرَّبة والمتكافئة لعلاج هذه المشكلات.
- التوعية الإعلامية الفعَّالة حول الأزمة الناتجة.
- تبنِّي سياسة مخصصة مؤقتة حول الأزمة.
- تسخير كافة المتطلبات لحشد الطاقات والموارد لهذه الأزمة.

وتتطلب هذه العملية مجموعةً من العوامل والإجراءات الواجب تبنِّيها لتحقيق عملية إدارة أزمات فعَّالة في ثلاثة مستويات من العمل على النحو التالي :
- على المستوى المعلوماتي والمعرفي: لا بد من وجود نظام متكامل من البيانات والمعلومات .

- على المستوى الإداري: فإنه من الواجب الاعتماد على إستراتيجية التغيير المخطط ومرونة الهياكل وأساليب العمل وإيجاد نظم حديثة وفعَّاله للمراقبة والمتابعة .

- على مستوى العامل البشري: لا بد من تشجيع روح المبادرة والإبداع وتفعيل المشاركة في اتخاذ القرار وتدعيم الخبرات الفردية في المجالات الإدارية .
إضافةً إلى ذلك فمن الضروري توفير نظم إنذار مبكِّر تتسم بالكفاءة والدقة والقدرة على رصد علامات الخطر وتفسيرها، وتوصيل هذه الإشارات إلى متخذِ القرار وصانعه، مع الاستعداد الدائم لمواجهة الأزمات؛ مما يتطلب القدرة على حشد وتعبئة الموارد المتاحة وتعظيم الشعور المشترك بين أبناء النظام السياسي والمجتمع بالمخاطر التي تطرحها الأزمة، وذلك عبر نظام اتصال وإعلام يتميز بالكفاءة والفاعلية .

وفي هذا السياق يمكن تقسيم أنواع الأزمات بحسب نوع ومضمون الأزمة، سواءٌ كانت أزمةً سياسيةً أو بيئيةً أو اقتصاديةً، أو بحسب النطاق الجغرافي للأزمة، سواءٌ كانت أزمةً خاصَّةً في إقليم معين من الدولة (مثل انهيار قناطر فرعية) أو قومية المستوى (مثل انتشار وباء أو الدخول في حالة حرب ).

كذلك يمكن تقسيم الأزمات بحسب حجم الأزمة صغيرةً أو متوسطةً أو كبيرةً أو بحسب طبيعة التهديدات التي تخلق الأزمة أو- وأخيرًا- بحسب المدى الزمني لظهور وتأثير الأزمة، فهناك الأزمة التي يُصطَلَح على تسميتها بالأزمة الانفجارية السريعة، وهناك بالمقابل الأزمة البطيئة الطويلة المدى أو المزمنة .

ن خلال العقود الطويلة الماضية وما مرَّ بمصر خلالها من كوارث- سواءٌ كانت كوارث طبيعية أو مِن صنع الإنسان- فإن هناك سياسةً مغايِرةً لإدارة الأزمات تختلف قليلاً عن المناحي السابقة والتي تُطبَّق في غالبية الدول المتحضِّرة، رغم وجود خبراء في الإدارة من المصريين طابقت شهرتهم الآفاق، ولهم وزنُهم على المستوى العالمي .

ومن خلال تجارب الشعب المصري السابقة مع الكوارث في الدولة المصرية يُلاحَظ أن أولويات عمل الحكومات المتعاقبة التي تشهد حصول هذه الأزمات أو الكوارث تكون موجهةً للبعد الإعلامي من الجهد الواجب أن يتم تبنِّيه، مع الاهتمام بمخاطبة الرأي العام المصري و"تخديره" إعلاميًّا .

لذلك نجد على سبيل المثال تحركاتٍ من جانب كافة مسئولي الدولة على أعلى المستويات في رئاسة الحكومة والجمهورية، ويتم "تلميع" هذه التحركات رغم عدم فعاليتها في غالبية الأحوال .

ومن بين أركان سياسات الدولة المصرية في مثل هذه الحالات تبنِّي مجموعةٍ من السياسات الإدارية ذات الطابع المظهري، ويتم بعد ذلك امتصاصها، ففي حالة كارثة قطار الصعيد تمت إحالة 11 من مسئولي وقيادات هيئة السكك الحديدية المصرية إلى المحاكمة الفورية بعد الكارثة مباشرةً، وبعد أن هدأت الأمور وسكن الموضوع إعلاميًّا وتراجَع مستوى اهتمام الرأي العام به تمَّت تبرئتهم وتحديدًا في شهر سبتمبر من العام 2002م، وهو نفس السلوك الذي جرى التعامل به من جانب النظام الناصري السابق مع القيادات العسكرية والأمنية التي تسبَّبت في هزيمة العام 1967م؛ حيث أحيلت كافة "الرؤوس" الكبيرة التي كانت في قيادة القوات المسلحة وجهازي المخابرات العامة والحربية في ذلك الوقت إلى المحاكمة، ثم وبعد سنوات من المحاكمة وبعد ضياع القضية في أوساط الرأي العام المصري وسط غبار الحرب والمعارك صدرت أحكامٌ مخففةٌ للغاية بحق المجموعات التي كانت تحاكَم .

أو على مستوى آخر من التعامل فإن الدولة كثيرًا ما تسند المسئولية عن الكوارث المتحققة إلى عناصر لا شأن لها بالأمر أو تكون مسئوليتها في أضيق الحدود للتخلص من عبء المسئولية عن كبار المسئولين، كما جرى في كارثة طائرة مصر للطيران في العام 1999م أو كارثة "سالم- إكسبريس" في العام 1991م والأخيرة "أُلصقت" للقبطان الراحل حسن مورو دونما أدلة محددة .

من جهة أخرى فإن إجراءات تعامُل الدولة على المستوى الإداري في شأن أية كارثة تلم بالمجتمع المصري تكشف عن أولاً عن وجود حالة كبيرة من الإهمال في أوساط قيادات وموظفي الدولة في القطاعات المهمة من العمل العام وبالذات الخدمية (النقل والصحة تحديدًا)، وهو ما يبرزه تكرار الحوادث في ذات القطاع كما في حوادث الطرق والسكك الحديدية أو تكرار حالات الغيبوبة والأخطاء العلاجية في مستشفيات العامة، كما جرى في مستشفى النيل العام ومستشفى الإسماعيلية قبل فترة؛ مما استدعى تدخل وزير الصحة والسكان الجديد رأسًا الدكتور حاتم الجبالي .

وبالتالي فإن هذه السياسة الحكومية في هذا الاتجاه تؤطر أولاً إلى تحقيق المزيد من الكوارث مع حماية الفساد والتستر عليه .