skip to content

كيف تتجسس الدولة على المواطنين؟

السيد المواطن المصرى الساكن فى كل شارع أو حى أو عطفة لا تتحدث فى الهاتف.. الهاتف فيه آذان صاغية ولا تستخدم بريدك الإلكترونى لأن غيرك سيستقبله ◄الصحف العالمية وضعت مصر على رأس قائمة الدول العربية التى تنتهك خصوصية المواطن وتتجسس على مكالماته بدون إذن قضائى

لماذا يفخر المسئولون الكبار فى الدولة دائما بأنهم على علم بدبة النملة فى أرض مصر؟ ولماذا يتعمدون بمناسبة أو بدون مناسبة الإشارة والتلميح إلى أن حياة المواطن المصرى محفوظة لديهم فى أدراج مكاتبهم بالصوت والصورة؟، لماذا يفعلون ذلك بإصرار وتلقائية ثم يعودون للنفى كمرحلة أولى لا يصدقها الناس ثم يرفعون شعار حماية الأمن القومى كمرحلة ثانية لتبرئة ساحتهم من تهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، ثم يبدأون فى سرد الحكايات عن التنظيمات العصابية والإرهابية التى سقطت بفضل مراقبة المكالمات الهاتفية والرسائل البريدية والعملاء المنتشرين فى كل مكان.

صحيح أن وجود آذان للحكومة على سماعات الهواتف المنزلية والمحمولة والجلسات الخاصة كان مفيدا فى سقوط الكثير من الفاسدين والمرتشين مثلما حدث فى الأسبوع قبل الماضى حينما كشفت هيئة الرقابة الإدارية عن قضية رشوة جديدة داخل وزارة الإسكان، ومثلما حدث من قبل مع رئيس قطاع الأخبار السابق محمد الوكيل الذى فضحت مكالماته التليفونية حصوله على رشاوى مالية، والمذيعة أمانى أبوخزيم التى أثبتت مكالمة تليفونية حصولها على رشوة، وماهر الجندى محافظ الجيزة السابق الذى كانت مكالماته المسجلة مع محمد فودة سكرتير وزير الثقافة سبب الكشف عن قضية فساد ورشوة كبرى.. ولكن هل تم ذلك بالشكل القانونى؟ بمعنى هل بدأ الأمر ببلاغ تقدم به جهاز الأمن المختص إلى النيابة العامة، تضمن معلومات محددة عن الجريمة التى ارتكبها شخص أو أشخاص محددون، يطالب فى نهايته الإذن بوضع هواتف هؤلاء تحت الرقابة، وتسجيل ما يدور بينهم من اتصالات لها صلة بالجريمة، وركز جيدا مع جملة اتصالات لها صلة بالجريمة هذه، مع ملاحظة أن البلاغ السابق لا يكون كافيا لتبدأ عملية مراقبة التليفون، فلابد أن تقتنع النيابة العامة بجدية التحريات، ومن بعدها تطلب من القاضى الجزئى إذناً بوضع الهاتف تحت المراقبة، لمدة تحددها وهى لا تتجاوز فى العادة شهراً، وبعد انقضاء المدة لابد أن يتقدم الجهاز الأمنى للنيابة العامة بتفريغ للمكالمات التى سجلها، وإذا تبين للنيابة أنها تحمل مؤشرات على ارتكاب الجريمة، تجدد الإذن بالطريقة ذاتها.. وللمدة نفسها، إلى أن تتجمع الدلائل ضد المشتبه فيهم، ويجرى ضبطهم.

هل تتم الأمور بهذا الشكل القانونى الذى كفله الدستور للمواطن المصرى فى الفقرة الثانية من المادة 45 والتى تنص على: (للمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفقاً لأحكام القانون).

الواضح أن طبيعة الأجهزة الأمنية فى مصر وعلاقتها المتوترة وغير المتعاونة مع الأجهزة النيابية والقضائية تؤكد أن العملية يتم اختصارها كنوع من توفير الجهد، ويتم القفز على القانون والدستور إلى المرحلة النهائية المتعلقة بالمراقبة المباشرة للمكالمات الخاصة بالمواطنين.

أنت لست فى حاجة لتفاصيل قضايا معينة لإثبات النتيجة السابقة، ولست فى حاجة إلى حواديت رموز المعارضة فى مصر عن هواتفهم التى تشكو من الرقابة وآذانهم التى تسمع أصواتاً غير عادية مع كل مكالمة تليفونية خاصة أو غيره، ربما لأن الدولة تكفلت بإثبات النتيجة السابقة من خلال إصرارها على تمديد قانون الطوارئ الذى لا يضع فى باله أو حسبانه أية أذون نيابية أو قضائية، أو حينما ناقشت فى سنة 2002 قانون تنظيم الاتصالات داخل مجلس الشعب ومررت المادة 65 والتى تنص على: (التزام كل مشغل أو مقدم خدمة أن يوفر على نفقته، داخل شبكة الاتصالات المرخص له بها، جميع الإمكانيات التقنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات، والتى تتيح للقوات المسلحة ووزارة الداخلية، الدخول على الشبكة تحقيقا لمتطلبات الأمن القومى حتى تتاح لهذه الجهات ممارسة اختصاصها فى الحدود التى يسمح بها القانون) ثم عادت على استحياء لتؤكد وبشكل عمومى ومطاطى ضرورة أن يتم ذلك مع مراعاة حرمة الحياة الخاصة للمواطنين.

دعك من القوانين فأنت تعرف مثلما أعرف أننا نعيش فى بلد لا يحترم أى قانون حتى ولو كان قانون المرور الجديد أبو غرامة كبيرة، وركز فى الاعترافات القادمة التى مارس من خلالها السادة المسئولون الكبار هوايتهم فى التأكيد على أن الدولة تعرف ما إذا كان المواطن يرتدى فانلة داخلية أما لا، التأكيد الرسمى الأول جاء على لسان السيد طارق كامل وزير الاتصالات فى شهر ديسمبر الماضى حينما قال لأعضاء نادى «روتارى كايرو رويال»: (نعم نسمح للأجهزة الأمنية بالتنصت على مكالمات المواطنين الشخصية سواء عبر الهاتف المحمول أو الأرضى ومش معقولة هندخل كل الأعداد دى فى خدمة التليفون وهنسيب البلد بدون ضوابط، لأننا إذا لم نسمح بالتنصت فهذا يعنى أن أحداً من المستثمرين لن يأتى إلينا، ونحن نتيح التنصت لأنه لابد أن يكون هناك دور للدولة).

انتهى اعتراف السيد وزير الاتصالات وتأكيده على أن التجسس على هواتف المواطنين وأحاديثهم الخاصة يتم بشكل تلقائى دون الحاجة إلى قانون أو إذن قضائى ودون أن يكون هناك فرق بين الشخص المشتبه فيه والشخص السائر بجوار الحيط، بل إن التجسس على المواطنين هو دور الدولة الطبيعى وفى نفس الوقت هو أحد أهم عوامل جذب الاستثمار..أى والله قال كده، الأهم من كل هذا أن ثلاثة شهور ونصف بالتمام والكمال مرت على اعتراف الوزير ولم يصدر عنه نفى ولا تصحيح أو حتى مجرد شوية طراوة لحفظ ماء الوجه.

ومن قبل اعتراف وزير الاتصالات الطرف الثانى فى عملية التنصت، كان هناك اعتراف للطرف الأول فى العملية وهو وزير الداخلية الذى أكد فى شهر أكتوبر 2005 أن المكالمات الهاتفية تتم مراقبتها، ثم قال فى تحد واضح حينما أبدى محاوره بعضا من الاستغراب..
«واللى خايف ميتكلمش».

طرف ثالث فى معادلة التنصت على الهواتف هو الشركات المسئولة عن تقديم الخدمة للمواطنين، كان له اعتراف صريح وواضح يؤكد على قيام الداخلية بالتنصت على هواتف النشطاء السياسيين، حيث أكدت «آنى مولينز» المدير الدولى لمعايير المحتوى بشركة فودافون، فى فبراير 2009 أن شركة فودافون سلمت الحكومة المصرية بيانات اتصالات بعض متظاهرى المحلة، وأن هذه البيانات ربما تكون قد استخدمت فى التعرف على هويات المحتجين فى مظاهرات المحلة فى أبريل الماضى، مشيرة إلى أن الحكومة المصرية من ضمن الحكومات التى تستغل القواعد والقوانين لأغراض أخرى.

ولكى يطمئن قلبك، ولكى لا تفرط كثيراً فى كلام الحب مع خطيبتك أو كلام السياسة مع صديقك، دعنى أنقل لك اعترافاً صريحاً وواضحاً للبابا شنودة الذى حذر الأقباط فى إحدى عظاته الأسبوعية من الاعتراف الهاتفى مؤكداً أن أمن الدولة يراقب الهواتف ولا يصح أن يكون الاعتراف منقولا على الهواء مباشرة.

الوضع إذن أن الدولة بدأت كلامها عن مراقبة الهاتف بالحديث المعتاد عن الأمن القومى والأمن العام، الذى سرعان ما تحول إلى حجة أصبح بسببها لكل مواطن «ودن» حكومية داخل سماعة تليفونه سواء كان الأرضى أبو تلات قروش أو الموبايل، والمسألة سهلة وبسيطة إما أن تتم من داخل الشركة صاحبة الخدمة أو عبر أجهزة أخرى صغيرة مثل جهاز«TX» الذى يجعل من المراقب شريكا لك فى الهاتف أو يحول تليفونك إلى جهاز إرسال قادر على نقل جميع المكالمات والأحاديث التى تدور بقربه حتى ولو كان مغلقا، وهى الطريقة التى تحدث عنها عدد من قيادات الإخوان مؤكدين على أنهم توصلوا لحل عبقرى لتلك الأزمة عبر وضع الهواتف المحمولة وهى مغلقة أثناء الاجتماعات داخل «حلة ألومنيوم» تفاديا لاستخدامه كجهاز تنصت على أحاديثهم، هذا بخلاف برنامج آخر صممته إحدى الشركات الألمانية يمكنه اصطياد جميع الإشارات الصادرة عن الهاتف المحمول وتحويلها لمكالمات مسموعة.

الإنترنت أيضا يخضع لما خضع له الهاتف فى مصر، فإذا كان الكلام المنطوق سهلا اصطياده وتسجيله، فالكلام المكتوب على الإنترنت أيضا سهل حفظه ومتابعته، وبعدما كان الإنترنت فى مصر فضاء تخيلياً يلقى فيه المواطنون بهمومهم، وغضبهم الذى ضاقت الحكومة بظهوره فى وسط البلد والصحف والندوات، تحول الإنترنت إلى ساحة أخرى خاضعة للرقابة، خاصة بعد تطوير استخدامه من قبل حركات التغيير التى ظهرت فى السنوات الأخيرة، والتى كللت تعاملها مع الإنترنت كوسيط جديد للمعارضة فى إضراب 6 أبريل الماضى الذى هز عرش الأجهزة الأمنية وأقلق منام الدولة عبر دعوة بدأت من خلف شاشة كمبيوتر، من وقتها وبدأت الرقابة الحكومية بخطوة ساذجة طالبت كل صاحب إنترنت كافيه بضرورة تسجيل البيانات الشخصية لكل مستخدم، ثم عممت خدمة «Wii Fii» فى الكافيهات الكبرى بحيث تحصل على جميع بيانات كل مستخدم للإنترنت قبل أن يضع يده على الماوس، ثم جاءت بقانون تنظيم الإنترنت الجديد عقب إضراب 6 أبريل مباشرة والذى اعتبره المعارضون وسيلة جديدة للحد من الاستخدام السياسى للإنترنت، ومن قبلها بدأت بمراقبة الـ«IP» الخاص بالمستخدمين لتحديد هوية الداعين إلى إضراب 6 أبريل ووقتها كشف أحمد ماهر أحد قادة جروب الإضراب على الفيس بوك أنهم بدأوا بإرسال محتوى الدعوات للإضراب إلى أصدقائهم فى الخارج لكى يتولوا نشره على الإنترنت هربا من الملاحقة الإلكترونية.

الشبكة العربية لحقوق الإنسان بدأت حملة للرد على ما وصفته بالتجسس الحكومى على مستخدمى الإنترنت وكشفت النقاب عن أن الأجهزة الأمنية قامت بالقبض على عدد من المعارضين بعد أن قامت بالتجسس على بريدهم الإلكترونى وحدد جمال عيد المدير التنفيذى للشركة عدة وقائع كان أبرزها.. القبض على المهندس أشرف إبراهيم عام 2003 الذى قيل إنه من خلال المعلومات فى بريده الإلكترونى تبين انتماؤه لتنظيم يسارى، وإنه يرسل للخارج معلومات حول حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان فى مصر مما يضر بسمعة وهيبة الدولة.

واعتقال المهندس صلاح هاشم الذى وجه له الاتهام بأنه ضمن مؤسسى تنظيم الجماعة الإسلامية وذلك بعد تبادله لبعض رسائل البريد الإلكترونى مع قياديين إسلاميين بالخارج والقبض على شهدى نجيب سرور خبير الإنترنت وابن الشاعر الراحل نجيب سرور فى 30 يونيو 2002 بتهمة نشر قصيدة لوالده على أحد المواقع الإلكترونية بزعم احتوائها على عبارات مخالفة للآداب العامة، ثم القبض على إسراء عبد الفتاح بتهمة التحريض على إضراب 6 أبريل سنة 2008 عبر رسائل يتم تداولها على الإنترنت.

وللتجسس على الإنترنت أكثر من طريقة أشهرها الآتى:
- من خلال الـ«IP» الخاص بكل جهاز والذى يتضمن بياناته ومعلومات عنه.
- برامج تقوم بعمل مسح للمعلومات المتبادلة على الشبكة ويتم البحث من خلالها على كلمات معينة..مثل إضراب، إخوان، التوريث، حركة كفاية.. وغيرها من الكلمات التى تعتبرها الدولة وحشة وتهدد أمن الوطن، وعندما يتم العثور على أى كلمة من التى تم تحديدها يتم تخزينها وبداية التقصى التقنى عن مصدرها.

- من خلال متابعة المنتديات المشهورة بمعارضتها وتحديد الأعضاء الأكثر نشاطا وحفظ الموضوعات المشاركين بها.

وبخلاف الوسائل الحديثة السابق ذكرها يتبقى للأجهزة الأمنية، خاصة لو كنا فى بلد مثل مصر لا يعرف فيها العسكرى الألف من كوز الذرة، يتبقى العنصر البشرى أو ما يلقبه الوسط السياسى فى مصر بمرشد المباحث، والإنترنت هو البيئة الأنسب للمرشدين لأن المستخدم يكون أكثر حرية فى التعبير عن رأيه وغضبه، وتهدف مهمة مرشد الأمن التكنولوجى إلى جمع المعلومات عن الأفكار السائدة مما يسهل على الأمن معرفة الطريقة التى تفكر بها التنظيمات وتعمل بها فى الشارع، أو قد يكلف المرشد التكنولوجى بمتابعة أفراد محددين وتسجيل نشاطهم على الإنترنت فى المنتديات والمواقع، خاصة المعروف عنهم احترافهم للنشاط التجنيدى، أو قد تقتصر مهمة المرشد التكنولوجى على بث أفكار مضادة على مواقع المعارضة أو إنشاء مواقع مضادة مثلما حدث وانتشرت العديد من الجروبات المعادية لإضراب 6 أبريل على الفيس بوك، والتى جاء نصفها ليمدح فى النظام والرئيس مبارك وحكومته.

وتحديد شخصية المرشد التكنولوجى على الإنترنت بقدر صعوبتها، تكون سهلة جداً مع بعض التركيز وقوة الملاحظة ويمكن معرفته وأخذ الحذر منه إذا أظهر الآتى:
- إذا حاول أحد الأشخاص جذبك نحو حديث سياسى، عن وضع البلد والمعارضة والنظام وانتماءاتك السياسية.

- إذا حاول معرفة تفاصيل عن أمورك الشخصية وكان ملهوفاً ولحوحاً وفى المقابل يتهرب من ذكر تفاصيل كاملة عن نفسه.

فى الشارع قل الاعتماد كثيراً على العنصر البشرى بزيه الملكى والمدنى وأصبح الحديث عن كيفية زيادة عدد الكاميرات فى كل ميدان وكل حارة بحجة أولى هى الحفاظ على الأمن، وأصبح طبيعيا جداً أن تشاهد إعلانات عن شركات تعلن استعدادها لتوريد كاميرات مراقبة قادرة على تصوير وتسجيل الصوت والصورة بدرجة نقاوة عالية، غير أن تأمين الشوارع والميادين بالكاميرات رغم فوائده الأمنية يعانى من نفس عيوب الرقابة على الهاتف، بل أكثر لأنه لا يوجد أى قوانين تنظمه أو كما قال الدكتور حازم عزت استشارى النظم والتأمين الإلكترونى لا يوجد ميثاق شرف لتلك المهنة، لمواجهة ما يمكن أن ينتج فى حالة قيام الشركة المسئولة عن كاميرات الشارع بانتهاك أسرار العمليل أو نشرها.

الحكومة المصرية وضعت كل هذه التخوفات جانباً وبدأت فى نشر كاميرات المراقبة فى كل مكان فى حالة تقترب كثيراً من الهوس خاصة بعد ما حدث فى الحسين، وأصبحنا نسمع عن كاميرات فى الاستاد وعلى الطرق السريعة والميادين الرئيسية والمناطق السياحية ولكن النتيجة أن الجرائم تحدث والإرهاب يضرب والشغب مستمر فى الملاعب بشكل يؤكد أن كل ما تفعله الكاميرات حتى الآن هو الاكتفاء بمراقبة الناس فقط.

أما فى الجامعات والمصالح والمؤسسات فمازالت اليد العليا للجاسوس البشرى، فطبقا للعديد من الدراسات وأشهرها دراسة صادرة عن المركز الإعلامى الفلسطينى فإن حوالى 90 % من المعلومات التى يحصل عليها رجال الأمن تأتى عبر ما يعرف بمرشد المباحث، أو ما يلقبونه فى الجامعات بالعصفور، فى الجامعات ينشط العصفور الأمنى فى المدن الجامعية ولذلك تنصح الدراسة أعضاء التنظيمات السياسية والطلبة العاديين بضرورة توخى الحذر من الأشخاص الذين يقبلون عليهم بدون سابق معرفه ويبدأون بالحديث السياسى، مع الحذر من الطلبة دائمى الشكوى من النظام وأيضا من الذى يلح دائماً أن يحدثك عن انتمائك السياسى، مع الوضع فى الاعتبار أن العصافير الأكثر انتشارا فى الجامعة والمصالح الحكومية هم عمال النظافة والإداريون أصحاب مسئوليات التنظيم داخل المبانى لهذا لا تترك أوراقا خاصة بتنظيم جماعتك أو أى كتب ممنوعة أو مثيرة سياسيا فى مكتبك أو دولاب خاص بك.

أما بالنسبة للطلبة المنتمين للتيار الإسلامى فلابد من الحذر لأن العصافير يعششون فى نفس المساجد بنفس الملابس ونفس اللحى بل ويزيدون عليك تشددا ولذلك لا تتعرف إلى أحد إلا عن طريق جماعتك أو المسئول عنك وبعد التأكد من الشخص الذى قام بتجنيده، فليس كل من ردد شعاراتك وعرف توقيت لقاءاتك يمكنك الوثوق به.

من الواضح الآن أن مصدر ثقة السادة المسئولين وهم يتحدثون عن معرفتهم لدبة النملة معروف ومفهوم، خاصة إذا أضفت إليه شكوى رؤساء الأحزاب الدائمة من الرقابة الأمنية على مقرات أحزابهم، والاختراقات الأمنية لصفوفهم، غير أن الشىء الوحيد غير المفهوم هو انحراف غاية تجسس الدولة على المواطنين عن مسارها بشكل أضر بالدولة وبالمواطنين، ففى الوقت الذى اتخذت فيه الدولة الأمن القومى والحفاظ على الوضع العام مستقرا ذريعة لعمليات المراقبة والتنصت، وجدنا أنفسنا نتجه نحو مزيد من «بولسة» الدولة، وحالة من إعلاء الأمن السياسى على حساب الأمن الجنائى، بعد أن أصبحت الرقابة على المعارضين والناشطين السياسيين أهم وأبقى للدولة من متابعة تحركات التنظيمات الإرهابية والفاسدين وأصبح المشهد الآن فى حاجة إلى مناد ينادى قائلاً: (السيد المواطن المصرى الساكن فى كل شارع أو حى أو عطفة لا تتحدث فى الهاتف.. الهاتف فيه آذان صاغية، ولا تستخدم بريدك الإلكترونى لأن غيرك سيستقبله، ولا تفتح فى الكلام داخل عملك أو جامعتك لأن الحيطان فعلا ليها ودان تنقل ما تسمعه وتنقلك معها إلى ما وراء الشمس بشوية).

مرشد المباحث
فى مصر يخافون مرشد المباحث أكثر من ضابط المباحث نفسه، وأمين الشرطة أكثر من ضابط الشرطة نفسه، ربما لأن المرشد معهم فى الشارع ومدرك لكل تحركاتهم والضابط فى مكتبه المكيف فى انتظار التقرير.. وربما لأن بعض رجال المباحث ورجال الشرطة لا تسيطر عليهم عقد النقص التى تحرك المرشد والأمين.. ولأن مصر هى أم الدنيا. فإن أهلها دائما سباقون وأصحاب ابتكارات وحتى لا يجرحوا سيادة المرشد فى أحاسيسه اخترعوا له اسما كوديا يوفر عليهم عناء ذكر اسمه.. ومن يومها أصبح كل مرشد مباحث أو عميل للأمن يحمل لقب عصفور.. بعد بحث وتنقيب وجدنا أن السبب فى منح مرشد المباحث لقب عصفور يعود إلى سبب من الأسباب الثلاثة التالية:
1 - العصافير يمكنها أن تطير فوقنا وحولنا دون أن نشعر بها طالما أنها لم تزقزق.
2 - لأن مرشد المباحث يكون حبيس رغبات الضابط المسئول عنه ويتصرف تبعا لأوامره، وبالتالى فهو عصفور فى قفص يلقى بعضا من الرعاية الجيدة.
3 - أن الإنسان المصرى تربى منذ كان طفلا على تهديد أبوى دائم، حيث يتلذذ كل أب بإخبار ابنه بالجملة التالية: (خلى بالك العصفورة بتقولى على كل حاجة انت بتعملها من ورايا). والمرجح أن السبب الثالث هو سر التسمية الشهيرة التى لحقت بمرشد المباحث لأن من شب على شىء شاب عليه.

أشهر عمليات تنصت تليفونية
فى عام 2007 وضعت صحيفة «الإكسبريس» الفرنسية الشهيرة مصر ضمن قائمة الدول العربية التى تنتهك الحريات الشخصية للمواطنين عبر التنصت على مكالماتهم الهاتفية، غير أن الجريدة لم تكتف بذلك وقامت بنشر عدد من أشهر وقائع التنصت التى تمت فى مصر دون إذن قضائى، وكان أهمها..
- ما حدث بعد إجراء الانتخابات البرلمانية فى عام 1979 حينما فوجئ عدد كبير من السياسيين بإلقاء القبض عليهم ومن بينهم أعضاء بالبرلمان، وعرفت باسم بلغاريا بتهمة التخابر مع دول أجنبية وتقاضى مبالغ مالية مقابل تسريب معلومات تضر بأمن البلاد، وكان دليل الإدانة وقتها تسجيلات تليفونية لهم.
- القضية الثانية عرفت باسم التفاحة وكانت فى عام 1981م وكان ضحيتها عدد من اليساريين وغالبيتهم من أعضاء حزب «التجمع» بعد أن ألقى السادات القبض على مجموعة كبيرة من السياسيين واتهم بعضهم بالتخابر لحساب الاتحاد السوفيتى، وقام النظام المصرى وقتها بزرع أجهزة تنصت داخل مقر الاجتماعات ووضعت تليفونات الجماعة كلها تحت المراقبة.
- واقعة تسجيل اجتماع مجلس شورى «الإخوان المسلمين» الذى عقد بمقر الجماعة بمنطقة التوفيقية بالقاهرة، لانتخاب مجلس الإرشاد عام 1994، وبسببه ألقت الحكومة القبض على 82 عضواً من الجماعة وتم التحقيق معهم، بالإضافة إلى قضية أخرى تخص «الإخوان» عرفت باسم «سلسبيل»، وألقى على أثرها القبض على عدد كبير من أفراد الجماعة، بتهمة حيازة أوراق خاصة بالتربية والدعوة، وكان دليل الإدانة، تسجيلات تمت دون إذن من القضاء المصرى.
المصــــــــــــــــدر : اليوم السابع
العــــــــــــــــــــدد: 25
التـــــــــــــــاريخ: الثلاثاء7-4-2009
الصفحــــــــــــة: 15