skip to content

البـشـريـة مـديـنة للـطفـل بأفـضـل مـا يـمـكنـها تقـديـمه لـه

كتب : أحمد حمدي
إن ضمان الحقوق الإنسانية للأطفال يعني أن نستثمر في المستقبل. فحقوق الأطفال هي اللبنة الأساسية لثقافة راسخة لحقوق الإنسان وهي الأساس لضمان الحقوق الإنسانية للأجيال القادمة.

وقد اعترف المجتمع الدولي منذ فترة طويلة بالحاجة إلي حماية الأطفال من أية انتهاكات وكانت البداية " إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل الصادر عام 1959م " من خلال 10 مبادئ توفر إطارا أخلاقيا قويا لحماية حقوق الطفل ورغم أن هذا الإعلان لم يكن له قوة الإلزام علي الصعيد الدولي ولم يكن له أية تداعيات قانونية في حالة مخالفته إلا انه كان يتمتع بنفوذ أدبي قوي علي كافة الدول أعضاء الأمم المتحدة.

وإذا انتقلنا من نطاق الطفل بصفة عامة إلي نطاق أكثر تحديد وهو الطفل المعاق فإننا نجد أن قضايا الأفراد المعوقين بعد تاريخ طويل من التهميش، بدأت تكتسب اعترافا علي المستوي الدولي كإحدى قضايا حقوق الإنسان الأساسية إلا انه باستعراض تاريخ حقوق الأفراد المعاقين علي المستوي الدولي نجد أن تطور المواثيق الدولية الخاصة بهم ليس علي المستوي الكافي بالمقارنة بعدد الأفراد المعاقين والذين يقدر عددهم علي مستوي العالم بحوالي 680 مليون إنسان أي ما يقارب 10% من إجمالي عدد سكان العالم طبقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية نصفهم علي الأقل من الأطفال.

و في عام 1993م قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتبني القواعد الموحدة بشان تحقيق تكافؤ الفرص للأفراد المعاقين ورغم أن القواعد الموحدة ليست قانونا دوليا إلا أنها تحتوي علي توجيهات مقبولة دوليا حول الإعاقة بهدف تقوية المشاركة الكاملة والمساواة للأشخاص المعوقين في المجتمع وباستعراض نصوص هذه القواعد نجد أنها تناولت سبل تحقيق مشاركة للأفراد المعاقين داخل المجتمع دون النص علي أية حقوق لهم تكتسب صفة إلزامية وأيضا لم تتناول في أي من قواعدها وضع الطفل المعاق علي وجه التحديد بل تناولت في حديثها الأفراد المعاقين بشكل عام.

أولا.. اتفاقية حقوق الطفل:-
في عام 1989 اعتمدت الجمعية العامة للام المتحدة "اتفاقية حقوق الطفل" والتي دخلت حيز النفاد في العام التالي والتي صدقت عليها كافة دول العالم الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة -- عدا الصومال (لعدم وجود حكومة قادرة علي التصديق) والولايات المتحدة الأمريكية -وتتميز هذه الاتفاقية عن الإعلان في كونها تمثل إطارا استراتيجيا يمثل حماية قانونية حقيقية لحقوق الطفل المختلفة.

وتعد هذه الاتفاقية نظرا لطبيعتها الشاملة للحقوق المختلفة (السياسية - المدنية - الاقتصادية - الثقافية - الاجتماعية ) وموافقة دول العالم اجمع تقريبا عليها علامة بارزة للإجماع الدولي علي القواعد الأساسية لحقوق الإنسان وعالميتها وعدم قابليتها للتجزئة.

وباستعراض نصوص اتفاقية حقوق الطفل البالغ عددها 54 مادة فإننا نجد أن الاتفاقية حددت الطفل بأنه : "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة عاما ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه" (م1)

ومن المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقية أن الأساس في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية يجب أن يكون الاعتبار الرئيسي لها هو مصالح الطفل الفضلى (م3 ) .

وإذا تحدثت عن الطفل المعاق في مادة وحيده فقط هي م( 23 ) والتي نصت علي :-
1- تعترف الدول الأطراف بوجوب تمتع الطفل المعاق عقليا أو جسديا بحياة كاملة وكريمة في ظروف تكفل له كرامته وتعزيز اعتماده علي النفس نشر مشاركته الفعلية في المجتمع.

2- تعترف الدول الأطراف بحق الطفل المعاق في التمتع برعاية خاصة وتشجيع وتكفل للطفل المؤهل لذلك وللمسئولين رعايته وهنا بتوفير الموارد تقديم المساعدة التي يقدم عنها طلب والتي تتلاءم مع حماية الطفل وظروف والديه أو غيرهما ممن يرعونه.

3- إدراكا للاحتياجات الخاصة للطفل المعوق تتوفر المساعدة المقدم وفقا للفقرة 2 من هذه المادة مجانا كلما أمكن ذلك مع مراعاة الموارد المالية للوالدين أو غيراهما ممن يقومون برعاية الطفل وينبغي أن تهدف إلي ضمان إمكانية حصول الطفل المعوق فعلا علي التعليم والتدريب وخدمات الرعاية الصحية وخدمات إعادة التأهيل والإعداد لممارسة عمل والفرص الترفيهية وتلقيه ذلك بصورة تؤدي إلي تحقيق الاندماج الاجتماعي للطفل ونموه الفردي بما في ذلك نموه الثقافي والروحي علي أكمل وجه ممكن.

4- علي الدول الأطراف أن تشجع بوح التعاون الدولي بتبادل المعلومات المناسبة في ميدان الرعاية الصحية الوقائية والعلاج الطبي والنفسي والوظيفي للأطفال المعاقين بما في ذلك نشر المعلومات المتعلقة بمناهج إعادة التأهيل والخدمات المهنية وإمكانية الوصول إليها وذلك بغية تمكين الدول الأطراف من تحسين قدراتها ومهاراتها وتوسيع خبراتها في هذه المجالات وتراعي بصفة خاصة في هذا الصدر احتياجات البلدان النامية. وباستعراض هذه المادة نجد أنها تتناول الأطفال المعاقين من حيث احتياجاتهم إلي الحياة والرعاية الخاصة وأيضا النص علي تيسير دمجهم في المجتمع دمجا حقيقيا وتوفير رعاية طبية وصحية مجانية علي وجه الخصوص لهم وأيضا خدمات التأهيل وإعادة التأهيل والإعداد لممارسة العمل وحقهم في الترفيه والدمج الاجتماعي والثقافي.

إلا أن هذا لا ينفى حق هؤلاء الأطفال المعوقين في التمتع بكافة الحقوق الواردة في الاتفاقية أسوة بغيرهم من غير المعاقين طالما سمحت الظروف بذلك.
فحقوق الأطفال المعوقين طبقا لنصوص اتفاقية حقوق الطفل هي حقوق كاملة علي قدم المساواة مع الآخرين علي حد سواء دون تميز لأي سبب. فللطفل المعاق طبقا لنصوص هذه الاتفاقية حق التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في إطارها الصحيح وذلك كحق عالمي دولي وفق القواعد المنصوص عليها في الاتفاقية ذاتها علي الرغم من تقليص التشريعات الوطنية للدول المختلفة لهذه الحقوق والحد منها بصورة مختلفة.

فالاتفاقية سالفة الذكر تضع أربعة من الفئات الأساسية للحقوق للأطفال المعوقين وهي:-

1- حق الحياة بما في ذلك الحق في المأوي والمأكل والرعاية الصحية.
2- حق النماء من خلال التعليم وإبداء الآراء توظيف طاقاتهم الكاملة توظيفا صحيحا في لمجالات المختلفة.
3- حق الحماية كواحد من أهم الحقوق الصريحة والواضحة من مخاطر عديدة أيا كان مصدرها كالحماية من الإيذاء والإهمال والاستغلال والاتجار وغيرها من الانتهاكات الغير إنسانية.
4- حق المشاركة الذي يتيح للأطفال القيام بدور فعال وحقيقي في المجتمع بصفة عامة وفي الجوانب السياسية بصفة خاصة كحق إنشاء الجمعيات والانضمام إليها.
وأيضا نصت الاتفاقية علي مسئولية الأطفال إزاء احترام حقوق الآخرين سواء في عائلاتهم أو مجتمعاتهم وهو ما يمثل جزء من مقابلة الحقوق والواجبات. وتتابع الأمم المتحدة تنفيذ هذه الاتفاقية من خلال التقارير التي تقدمها الحكومات بشكل دوري (كل 5 سنوات) عن سير العمل مع الاجتماع مع كل حكومة لمناقشة سجلها في مجال حقوق الطفل وتقديم المشورة للحكومات بشان تنفيذ هذه الاتفاقية وأيضا تقديم الحلول اللازمة لأية قضايا في مجال حقوق الأطفال بما يمثل ركيزة دولية أساسية لضمان وجود حد ادني من الحماية للأطفال بصفة عامة والأطفال المعوقين بصفة خاصة.

ثانيا.. حقوق الطفل المعاق في ظل الاتفاقية الموحدة للإفراد المعاقين :-
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام الماضي واحدة من أهم الاتفاقيات وأكثرها شمولا لحقوق الأفراد المعاقين فبعد مناقشات طويلة استمرت قرابة الست سنوات استطاعت الخروج بهذه الاتفاقية إلي حيز النفاذ منذ اشهر قلائل. وكان الهدف الرئيسي المحرك للام المتحدة في هذا الصدر هو أن وجود مثل هذه الاتفاقية ستقدم مساهمة جوهرية في تدارك الحرمان الاجتماعي البالغ للمعوقين وستشجع مشاركتهم في المجالات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية علي أساس تكافؤ الفرص في كل من البلدان النامية والمتقدمة النمو علي حد سواء.
والواضح إن هذا الهدف النبيل يحمي في طياته كفالة تمتع المعوقين تمتعا كاملا علي قدم المساواة مع الآخرين بجميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

رؤية الاتفاقية الموحدة لحقوق الأطفال المعاقين: -
نصت الاتفاقية الموحدة علي عدد من الحقوق المختلفة للأطفال المعاقين ويمكن الحديث عن هذه الحقوق وأهمها:
1- احترام القدرات المتطورة للأطفال المعاقين واحترام حقهم في الحفاظ علي هويتهم وهو ما يعد واحدا من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الاتفاقية ونصت عليها في المادة الثالثة فقرة ح.
2- الأطفال المعوقين:
أفردت الاتفاقية في المادة السابعة منها نصا خاصا للأطفال المعوقين جاء فيه:-

أ‌- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الضرورية ولضمان تساوي حقوق الأطفال المعوقين مع غيرهم في التمتع بجميع الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية.
ب‌- توخي أفضل مصلحة في جميع التدابير المتعلقة بالأطفال المعوقين اعتبارا أساسيا.

ت‌- تكفل الدول الأطراف تمتع الأطفال المعاقين بالحق في التعبير بحرية عن أرائهم في جميع المسائل التي تمسهم علي أساس المسا واه مع غيرهم من الأطفال وتوفير المساعدة علي ممارسة ذلك الحق بما يتناسب مع إعاقتهم وسنهم.

والواضح أن هذا النص الرائع الذي جاء في منتهي القوة من الناحية الغوية ليذكر في وضوح ضرورة "تمتع الأطفال المعاقين تمتعا كاملا بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية" وجعل هذه المسئولية علي عاتق الدولة بشكل صريح من اجل ضمان تحقيق المسا واه تلك الفريضة الغائبة داخل المجتمعات المعاصرة بين الأفراد المعاقين وغيرهم.

كما جاءت الفقرة الثالثة لتنص علي تمتع الأطفال المعوقين بالحق في التعبير بحرية عن أرائهم في جميع المسائل التي تمسهم علي قدم المسا واه مع غيره من الأطفال بما يحقق لهم الدمج والمشاركة الكاملة والفعلة في كافة مناحي حياتهم وشئونهم اليومية والمستقبلية.

3- رفع الوعي:
جاءت المادة الثامنة فقرة (2/ ب)لتنص علي "تعزيز تبني موقف يشير باحترام حقوق المعاقين في جميع مستوي النظام التعليم بما في ذلك لدي الأطفال منذ حداثة سنهم"
وهذا النص الذي جاء لأول مرة ليتحدث عن حق الأطفال المعاقين في التعليم وإيجاد نظام تعليم صحي لهؤلاء الأطفال بشكل يساعدهم علي إخراج وتوظيف طاقاتهم المختلفة بشكل فعال وحقيقي من اجل استثمار هذه الطاقات لصالح الأطفال المعاقين مع الوضع في الاعتبار أن النظام التعليمي يجب أن يكون مناسب وملائم لقدرات هؤلاء الأطفال واستعداداتهم.

4- عدم التعرض للاستغلال والعنف وإساءة المعاملة:-
جاءت م (16) من الاتفاقية في فقرتها الثانية بالنص علي:
" تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لمنع الاستغلال والعنف وساءه المعاملة لكفالة أمور منها توفير أشكال مناسبة من المساعدة والدعم للمعوقين وأسرهم ومقدمي الرعاية له تراعي نوع جنس لمعوقين وسنهم بما في ذلك عن طريق توفير المعلومات والتثقيف بشان كيفية تجنب حالات الاستغلال والعنف وإساءة المعاملة والتعرف عليها والإبلاغ عنها وتكفل الدول الأطراف أن يراعي أثناء خدمات الحماية سن المعاقين ونوع جنسهم وإعاقتهم. والواضح من هذا النص أن يضع سن الفرد المعاق عاملا حاسما في التعامل من واحدة من أبشع صور الانتهاكات والخاصة بمنع الاستغلال والعنف وإساءة المعاملة ولاشك أن هذا التميز الايجابي هو اتجاه محمود من اجل احتياج الطفل المعاق إليه من حيث المعاملة والمعلومات الواجب توفرها لدي القائم علي معاملة الطفل في حالة تعرض إلي هذه الانتهاكات.

5- حق الجنسية :-
نصت المادة (18) فقرة 2 علي:
يسجل الأطفال المعوقين فور ولادتهم ويكون لهم منذ الحق في الحصول علي اسم والحق في اكتساب جنسية والحق بقدر الامكان في أن يعرفوا والديهم وان يتمتعوا برعايتهما.
وهذا النص جاء حازما في التعامل مع حق اكتساب الجنسية وهو احد الحقوق المهدرة منذ أمد بعيد في العديد من الدول المختلفة التي لازالت تصر علي حرمان الأطفال المعاقين من اكتساب الجنسية حتى لا تتعامل أعباء إضافيا أخري ولاشك ان هذا النص يمثل ضمان حقيقة في القضاء علي ظاهرة دولية تمثل انتهاك حقيقي لواحد من اشد الحقوق أهمية لكل فرد داخل المجتمع.

6-الأسرة:-
نصت م(23) فقرة 5 علي:
تتعهد الدول الأطراف في حالة عدم قدرة الأسرة المباشرة لطفل معوق علي رعايته بان تبذل قصارى الجهود لتوفير رعاية بديلة له داخل أسرته الكبرى وان لم يتسير ذلك فداخل المجتمع المحلي في جو اسري. وهذا النص الخاص بأحقية كل فرد في أن يكون له أسرة يعيش فيها هو نص هام بشكل أساسي للطفل المعاق لما يصنفه له من توفير جو نفسي وعائلي يساعده علي النمو ويحقق له استقرار يساعده علي أبراز طاقته وتوظيفها داخل نطاق الأسرة التي ترعاه. وبهذا العرض لنصوص اتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الموحدة للأفراد المعاقين نجد أن الاهتمام الدولي بحقوق الأفراد المعاقين بشكل عام والأطفال المعاقين بشكل خاص قد اخذ خطوات واسعد نحو التقدم من اجل تعزيز وحماية هؤلاء الأفراد بشكل أفضل بما يضمن لهم حياة كريمة.

ونهاية نجد أن التعامل الدولي وان نص علي كم ضمن من الحقوق والضمانات للأطفال المعاقين فانه يحتاج إلي تضافر الجهود المختلفة من مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والأفراد المعاقين أنفسهم وذويهم من اجل وضع هذه الحقوق والضمانات موضع التنفيذ داخل الدول المختلفة حتى ينعم هؤلاء الأفراد بحقوقهم الواردة في هذه المواثيق.كما أننا نهيب بالحكومة المصرية سرعة الانضمام والتصديق علي الاتفاقية الدولية الموحدة للأفراد المعاقين وأيضا تعديل التشريعات المصرية التي أصبحت لها تلائم روح العصر ومتطلباته من اجل توفي حياة كريمة للأفراد المعاقين فالتعامل مع تلك القضايا هي واجبات علينا جميعا أن نسعى إلي إنجازها واستثمار تلك الطاقات المهدرة من اجل غد أفضل لنا ولهم ولمصرنا الحبيبة.