skip to content

تقديم العرب والانترنت

بالنسبة لحكومات تعتبر حرية الرأي و التعبير قيما غريبة وغير مرغوب بها ، تصبح الحاجة لشبكة الانترنت أكثر إلحاحا ووسيلة هامة لجمهور تزداد أعداده يوما بعد يوم يختلفون مع هذا الرأي ، ممن شاء حظهم أن يعيشوا في بلدان تسيطر عليها حكومات وصل أغلبها للحكم بطرق بعيدة عن الديمقراطية .

ولعل هذا يفسر التوسع الكبير في عدد مستخدمي الانترنت بالمنطقة العربية ، حيث كاد الرقم يتضاعف في أقل من ثلاثة أعوام ، حيث بلغ في منتصف يونيو 2004 نحو 14 مليون مستخدم ، ليصل في نهايات هذا العام"2006" إلى نحو 26 مليون مستخدم كما يشير شريف اسكندر المدير الإقليمي لمجموعة جوجول العالمية في الشرق الأوسط (1).

ولم تكن الحكومات العربية بحاجة للموجة التي اجتاحت أغلب دول العالم من تقييد حرية استخدام الانترنت بزعم "محاربة الإرهاب " حيث أن التقييد هو سمة أساسية لهذه الحكومات ، لكنها أيضا لم تفوت هذه الفرصة لطرح مزيد من التضييق والتقييد لحرية الرأي والتعبير وضمنه بالطبع حرية استخدام الانترنت .

في الانترنت .. الموقع بعشرة أمثاله !

إلا أنه وبالرغم من ألاف المواقع المحجوبة التي كان للسعودية وتونس وسوريا نصيب الأسد منها ، فقد ظهر للنور مقابل هذه الأعداد الضخمة من المواقع التي تم حجبها ، ألاف من المواقع الجديدة التي يطرح الكثير منها نفس أفكار المواقع المحجوبة ، بل وتتجاوزها أيضا في شدة النقد وغزارة المعلومة . ولعل قيام جماعة الإخوان المسلمين في مصر على سبيل المثال بإطلاق عشرات المواقع التي تعبر عنها ، بعد حجب موقعها الرسمي في مصر وسوريا ، يعطي مؤشرا واضحا للمهمة الصعبة التي تضطلع بها العديد من أجهزة هذه الحكومات لمحاولة الحد من تدفق المعلومات عبر شبكة الانترنت وما تحمله هذه المعلومات من رؤى وأفكار لا ترضى عنها هذه الحكومات ، لا سيما حين تجد هذه الأجهزة نفسها مضطرة لرفع الحجب عن بعض هذه المواقع ، بعد أن أصبح الحجب غير ذي فائدة لنشأة مواقع أخرى تطرح نفس الموضوعات ، وهو ما حدث مع موقع الإخوان المسلمين الذي تم رفع الحجب عنه في مصر ، ليضاف لأكثر من عشرة مواقع تعبير عن الجماعة.

أجهزة الكمبيوتر .. ديكور جيد

لا تدخر حكومة عربية جهدا للإعلان عن دعمها للتقنية الحديثة وتنفيذها لبرامج طموحة "لسستمة" أجهزتها ، وعمل قواعد بيانات حديثة اعتمادا على أجهزة الكمبيوتر وشبكة الانترنت ، ورغم قيام بعض الحكومات لاسيما في منطقة الخليج العربي بقطع شوط كبير في هذا المجال ، إلا أن دول أخرى راحت تتوسع في استخدام هذه الأجهزة وتوزعها على هيئاتها ووزاراتها دون أن تدرب العاملين بتلك الهيئات على كيفية استخدامها تدريب كافي مما جعل الكثير من هذه الأجهزة غير المستخدمة مجرد ديكور على مكاتب هؤلاء الموظفين ، الذي استمروا في العمل بنفس النهج القديم من خلال الأوراق والملفات الكرتونية (2)

وتعد هذه الطريقة في التعامل مكلمة لنفس النهج السائد في البلدان العربية التي تسارع دائما في اللحاق الشكلي بكل جديد دون وجود الرغبة الجادة في التعامل معه ، مثلما هو الوضع بالنسبة للتوقيع على مواثيق حقوق الإنسان أو إعلان الحكومات الاليكترونية أو سن تشريعات للبيئة دون أن تجد هذه المشاريع الطريق للنفاذ الفعلي على أرض الواقع.

وحدة أمنية حكومية .. وحدة اليكترونية شعبية

لم تستمر أي مش مشاريع الوحدة بين الدول التي شهدها العالم العربي بدءا من خمسينيات القرن الماضي حتى تاريخ كتابة هذا التقرير ، إلا أن وحدة أخرى تمت بشكل جزئي ولكن بنجاح فائق وإن لم تعلن ، وهي الوحدة على مستوى أجهزة الشرطة أو وزارات الداخلية العربية ، فاجتماعات وزراء الداخلية العرب تتم دون تأجيلات ودائما ما تسفر عن تعاون وثيق بين أجهزة الشرطة العربية يصل لحد الاتفاق الكامل على أهمية تداول المعلومات وتوزيعها ، حيث يتم استخدام شبكة الانترنت بشكل جيد ، بما يسمح لأي شرطي في أي مطار أن يخبرك بتاريخ حياتك وعدد القضايا التي اتهمت بها ، وأي سجن تم احتجازك به وميولك السياسية والمنظمة الحقوقية أو السياسية التي تنتمي اليها ، سواء كانت سرية أو علنية. (3) ولعل لقاء وزراء الداخلية العرب في فبراير 2006 بتونس يوضح بشدة التوافق الكامل بين هؤلاء الوزراء بشأن أهمية حجب المواقع التي "تشجع على الإرهاب" دون وضع تعريف محدد حول ماهية هذا الإرهاب الذي يقصدونه (4) .

وعلى الجانب الأخر ، فقد أتاح الانترنت لمستخدميه العرب ليس فقط بأن يتواصلوا مع بعضهم البعض بشكل واسع ، ولكن أيضا مع جنسيات أخرى بالطبع ، إلا أن تواصلهم مع بعضهم البعض كعرب خلق ما يشبه الوحدة الإليكترونية ، من خلال المنتديات والمواقع التي تتيح تفاعل بين زوراها وتبادل الخبرات الواسعة ، لاسيما في ظل تشابه الظروف القمعية في الدول العربية ، فنجد أن نشوء حركة كفاية في مصر على سبيل المثال ، قد أعقبه حركات شبيهه في اليمن وليبيا وتونس ، يحمل بعضها نفس الاسم ، ويحمل البعض الأخر أسماء مختلفة ، ولكنها جميعا تصب في نفس الاتجاه .

فضلا عن المدونات العربية التي رغم حداثة نشأتها فقد ساهمت بشكل فعال في وجود كتل متجانسة بين النشطاء العرب وحملات قوية للدفاع عن المستخدمين الذي يتعرضون لانتهاك من الحكومات ، وصولا لأول حالة لجوء سياسي اليكتروني (5) .

قمة المعلومات في تونس .. حين ينقلب السحر على الساحر

ليس اصدق من هذا العنوان الذي استخدمته قناة الجزيرة على موقعها ليصف ما أسفرت عنه قمه المعلومات التي عقدت في تونس في نوفمبر 2005 (6)فهذا الحدث الذي سعت الدول العربية وبخاصة الحكومة التونسية لتحويله إلى بوق دعائي حول انجازات وهمية ، جاء فرصة أحسنت المنظمات الغير حكومية وبخاصة دعاة الديمقراطية استخدامها ليسلط الضوء على حقيقة الأوضاع المزرية التي تخيم على حرية الرأي والتعبير لاسيما في تونس ، التي شهدت إضرابا عن الطعام لثمانية من النشطاء السياسيين والحقوقيين فيما سمي بـ "إضراب الجوع" استطاع لفت الأنظار بقوة لحقيقة الأوضاع السياسية المتدهورة في تونس ن وهو الأمر الذي جعل الرئيس التونسي يفقد أعصابه منتقدا لهؤلاء الذي فضحوا هذه الانتهاكات متهما إياهم بالخيانة ومشككا في وطنيتهم (7) .وكأن الاعتراض السلمي على ممارسات بوليسية قاسية يعد خيانة وطنية ، مما يعد تطابقا مع النمط الشائع من الاتهامات التي توجهها الحكومة السورية لمنتقديها سواء في الصحافة المطبوعة أو الاليكترونية .

المواقع الإسلامية مازالت بالصدارة

وعلى الرغم ظهور العديد من المواقع العلمانية أو حتى اللادينية أو التي تنطق بلسان مجموعات دينية غير إسلامية ، إلا أن الغلبة مازالت للمواقع الإسلامية ، بحيث نجد أنه بين المائة موقع الأكثر شيوعا باللغة العربية ، كانت هناك عشرة مواقع إسلامية متشددة بدرجة كبيرة ، وكما يقول ألبرشت هوفهاينز ، فهذه الظاهرة فريدة من نوعها في العالم ، لأنه لايوجد باللغات الأخرى في المواقع ال 100 الأولى مواقع دينية على الإطلاق. (8)، بالطبع فإن هذه الصدارة تعكس اهتمامات المستخدمين العرب وقراء اللغة العربية ، إلا أننا لا نستطيع إغفال الدور الذي تلعبه التوجهات الحكومية التي تتحكم في الرقابة والحجب ، والذي يتم غالبا ضد المواقع السياسية والعلمانية أو الحقوقية في المقام الأول ، حتى أن موقعا مثل الحوار المتمدن http://www.rezgar.com/debat/nr.asp والمعروف بعلمانيته ودفاعه عن حرية الرأي والتعبير وحقوق الأقليات والمرأة ، قد تم حجبه في أربعة دول على الأقل هي السعودية والإمارات وتونس والبحرين مؤخرا . رغم عدم تضمن هذا الموقع الشهير لأي إساءة أو دعاية كراهية موجهة ضد أي حكومة ، فقط نقد سياسي وتداول للأفكار العلمانية .مما جعله يطلق حملة بعنوان " الدفاع عن حرية التعبير على شبكة الانترنت , والتضامن مع الحوار المتمدن" (9)

وكذلك العديد من المواقع الحقوقية والسياسية التي تم حجبها في العديد من البلدان العربية إما لتناولها الانتهاكات التي تمارسها حكومات تلك البلدان أو لنقدها السياسي . وهو ما يكشف بوضوح كذب الادعاء الذي تستمر الحكومات العربية في تقديمه حول أسباب قيامها بحجب هذا الموقع أو ذاك ، ولعل قيام الحكومة البحرينية بحجب نحو 17 موقعا في الشهور الأخيرة ، تناولت ما عرف بفضيحة البندر ، بينها موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، يعطي مثالا إضافيا على هذه الادعاءات الكاذبة.

لتصبح الادعاءات بحجب المواقع المغايرة للقيم والأعراف والمناهضة للدين الإسلامي بمثابة إشارة غير صريحة موجهة للمواقع العلمانية والسياسية.

---------------------------
1-جريدة الوطن السعودية في 25نوفمبر 2006 http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11- .25/economy/economy04.htm زيارة 25نوفمبر 2006.
2-زيارة لبعض المكاتب في وزارة العدل في مصر قام بها جمال عيد مدير الشبكة العربية وكذلك زيارة أخرى لوزارة الإعلام في اليمن.
3-لقاء ببعض النشطاء الحقوقيين والسياسيين حول توقيفهم ببعض المطارات العربية . فضلا عن تجربة شخصية لكاتب هذه السطور في مطار احد الدول العربية ومنعه من دخولها بحجة عمله في مجال حقوق الإنسان الذي يمثل "خطرا" على الأمن.
4-وزراء الداخلية العرب يسعون لإحكام سيطرتهم على الإنترنت بيان لـ 17 منظمة حقوقية منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بتاريخ 19فبراير 2006 http://hrinfo.net/press/2006/pr0209.shtml
5-سامى بن غربية، حق اللجوء، مدونة فكرة، http://www.kitab.nl/2005/12/28/haq-alloujou (زيارة 21/6/2006).
6-قمة المعلومات في تونس ..حين ينقلب السحر على الساحر موقع الجزيرة في 17مايو 2006 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/169EED60-F7BD-4BA3-869C-C9DCC2351251.... زيارة 22يونيو 2006م.
7-المصر السابق
8- الانترنت في العالم الاسلامي .حوار في موقع قنطرة بتاريخ 11مايو 2005. . http://qantara.de/webcom/show_article.php?wc_c=471&wc_id=101 زيارة 13 أغسطس 2005.
9-الحوار المتمدن http://www.rezgar.com/camp/i.asp?id=29