skip to content

ليلة القبض على "حرية" الإنترنت

الحرية .. ذلك المطلب السامي الرفيع .. الذي تنادي به كل ديانات السماء وحضارات الأرض وكل الثورات والمعتقدات، أصبح في هذا الزمان مطلباً غاليًا ونفيسًا ..!! لا ينال إلا بشق الأنفس .. بل وفي بعض الأحيان بقتل الأنفس..!! طُرق باب الحرية من جديد وبقوة .. ولكن على وتر مختلف هذه المرة .. غير الذي نعرفه من بوابات الحرية. هذه المرة عن طريق بوابة الإنترنت وانتشار الأيديولوجية المعلوماتية في نواحٍ كثيرة من نواحي الحياة.

جاءت الإنترنت بصور جديدة للتعامل مع الأفراد والمجتمعات، وأعطت بعدًا جديدًا لطريقة الاتصال، وتفريغ الطاقات، والتعبير عما يجول داخل النفس. فأضحت الإنترنت السوق الذي يأوي إليه كل صاحب بضاعة، فاسدة كانت أو صالحة، فيعرضها في هذا السوق لأنه يريد أن يكسب .. سواء أكان الكسب معنوياً أم مادياً.

من هذه النقطة كان لا بد للمجتمعات أن تحدد البضاعة التي تريد أن تعرضها لأبنائها .. بما يناسب عمقها الحضاري والاجتماعي والثقافي، فكان لا بد من عملية التنقية والتصفية لجميع البضائع التي ترد على هذا السوق "الإنترنت"، ويبدو أن معظم المجتمعات أجمعت على منع بضائع الجنس والرذيلة والفساد الخلقي بجميع أنواعه، ولكنه بدا كإجماع نظري، أما التطبيق العملي فاختلف من دولة لأخرى حسب ما يعني لهم الفساد الخلقي والانحلال الأخلاقي، وكل مجتمع بدأ بتحويل قاموسه الحضاري إلى واجهة الإنترنت.

الجديد في هذا الموضوع - والغريب في نفس الوقت- أن هناك بعض المجتمعات أجرت بعض التغييرات في قاموسها الحضاري، فكان مما غيرته أن وسعت مفهوم مصطلح الجنس والفساد الأخلاقي ليشمل معاني أخرى مثل .. المعارضة السياسية .. والجماعات الإسلامية .. وغيرها من المصطلحات التي أصبحت تضر بالأمن القومي والاستقرار السياسي ..!!

سوف استعرض في هذه العجالة عدة نقاط تعطي صورة حقيقية لما يجري للحرية المسحوقة من اضطهاد وتعذيب حتى في غياهب الإنترنت!!

قضية التشفير الإلكتروني .. هي أخطر قضية لعبت دورًا هامًا في فضح الحكومات التي منعت حرية الإنترنت بشكل كامل. والقضية مازالت مفتوحة على مصراعيها حتى في البلاد الغربية، التي نشأت فيها الإنترنت ..!! متى أصبح من حق الحكومات والجهات الأخرى أن ترى وتقرأ رسائل الغير ..؟؟! متى أصبح لهذه الجهات الحق في أن تحتفظ بنسخ من هذه الرسائل ..!! لفتحها وكشفها متى دعت الحاجة إلى ذلك ..!! ومعنى تشفير البريد الإلكتروني .. " أن الرسالة لا يقرأها إلا المرسل والمستقبل، أما في حالة عدم تشفيرها فهناك طرف ثالث يستطيع قراءتها ..!! وهو الوسيط الذي يرسل لك الرسالة وتمر خلال أجهزته ومعداته، بل ويستطيع الاحتفاظ بها ..!! وهذا الوسيط هو ما يسمى بلغة الإنترنت "مزود خدمة الإنترنت"..!! (1)، أي خصوصية أصبحت لهذا الإنسان .. وأي حرية جوفاء ينعم بها البشر..!!

هناك أمر آخر أدهى وأمر ..!! وهو أنه يمكن لمزود خدمة الإنترنت من خلال برامج معينة، أن يراقب ويكتشف كل أفعالك عندما تتصل بالشبكة ..!! ويشمل هذا التدخل السافر .. عناوين المواقع التي زرتها .. ومتى كان ذلك ..؟ والصفحات التي اطلعت عليها ، والملفات التي جلبتها، والكلمات التي بحثت عنها، والحوارات التي شاركت فيها، والبريد الذي أرسلته واستقبلته، وفواتير الشراء التي ملأتها، والخدمات التي اشتركت بها ..!! (2) أهذه إنترنت أم أنها فرع عن إحدى وكالات الاستخبارات العالمية..!!

إن أكبر المخاطر التي يواجهها الشخص الذي يتجول في سجن الإنترنت، هو ما يسمى بالمجموعات الإخبارية ..!! وهو ما يسمى بلغة الإنترنت (News Groups) إذ تدخل رسائلك ضمن أرشيف خاص بها، حيث يمكن لأي شخص الإطلاع عليها وربما بعد عشرين سنة ..!! وربما يطلع عليها أحفادك أو أي جهات أخرى ، وقد تستخدم يوماً كسلاح ضدك ..!! فالإنترنت لا تنسى ..!! (3) كثفت الشركات الإسرائيلية جهودها خلال العامين السابقين على تطوير تقنيات الإنترنت، وأنتجت مجموعة برامج نالت انتشاراً عالمياً واسعاً مثل برنامج الدردشة الشهير (ICQ) الذي تنتجه شركة (Mirabils) وفيه فجوات يمكن استغلالها والتجسس على أجهزة الكومبيوتر من خلالها. (4) وأنتجت شركة (Abri Net Ltd) الإسرائيلية العام الماضي برنامجًا يدعى (Session wall-3) يستخدم لتحليل المرور على شبكة مزود خدمات إنترنت، وينتج تقريرًا يتضمن تفاصيل دقيقة جداً عن تصرفات مستخدمي إنترنت. وقد جرَّب "لانس جولاندر" صاحب مؤسسة (Terrangon Media) في ولاية "أوريجون" الأمريكية هذا البرنامج، فأذهله مستوى تفاصيل المعلومات التي أنتجها البرنامج عن زبائنه، وقال: "خُيَّل إليّ أنني أراقب المستخدم من بين يديه، مما جعلني أشعر بالغثيان، لقدرتي على رؤية تلك التفاصيل الدقيقة"(5).

أجرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" والتي مقرها نيويورك دراسة استطلاعية لحرية التعبير عبر شبكة الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط، وكان التقرير بعنوان "الإنترنت في الشرق الأوسط: بيان صحفي" في تاريخ 7 يوليو / تموز 1999، وقد نشر هذا التقرير على موقع المنظمة في الإنترنت، وذكر التقرير أن الرقابة والقيود المفروضة على حرية دخول الإنترنت، وارتفاع أسعار الاشتراك فيها، تعوق نمو الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكان مما جاء في هذا التقرير ما يلي: "إنه من غير الممكن تبادل المعلومات بحرية عبر الشبكة في كثير من بلدان المنطقة"، ولو أن التقرير يتنبأ في الوقت ذاته بأن الجهود المبذولة للحيلولة دون تدفق المعلومات عبر الإنترنت سوف تبوء بالفشل، مشيرًا إلى أن نحو مليون شخص في العالم العربي يستخدمون شبكة الإنترنت بالفعل.
ويقول هاني مجلي -المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان"- : "لقد دأبت السلطات في هذه المنطقة على إلجام وسائل الإعلام بقيود صارمة، غير أنها لا تستطيع التحكم في حرية تدفق المعلومات عبر الإنترنت، وبدلاً من السعي لإقامة حواجز لا يمكنها الصمود طويلاً، يجدر بهذه الحكومات أن تعمل على إتاحة سبل الاتصال عبر الإنترنت على نطاق واسع ".

وذكر التقرير أن ما تم ابتكاره من أدوات ووسائل للحماية من أي رقابة على الاتصالات الإلكترونية، مثل نظم التشفير، وإعادة إرسال البريد الإلكتروني دون الكشف عن اسم مرسله، وما يسمى "برامج الخدمة بالوكالة" المضادة للرقابة، والاتصالات اللاسلكية، قد فاق فيما يبدو الأساليب التقنية المستخدمة في الرقابة، ولمزيد من المعلومات التي وردت في التقرير ، يمكنك الإطلاع على الموقع التالي في الإنترنت :
http://www.hrw.org/advocacy/internet/mena/index.htm

أما آن للمواطن العربي أن يستنشق عبير الحرية ولو من خلال التنفس الإلكتروني ..!! إن أحد أهم أسباب التأخر الذي تعيشه المنطقة من الناحية التقنية .. هو عدم فتح المجال للحريات بالانطلاق .. وإغلاق الأبواب أمام أي تطور علمي يفيد الأمة .. بحجج متعددة إن أمواج الحرية قادمة وبقوة .. ولن يستطيع أحد أن يقف أمامها..!!

عمر عبد العزيز

المملكة السعودية
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1179664700...